اخترنا لكم

العراق في “الملهاة اليمانية”


أهلاً بالعراق في “الملهاة اليمانية”.. بهذا الاستهلال يمكن اختزال توصيف المشهد العراقي المنقسم عموديا وأفقيا.

فالحالة وإنْ كان من الصعوبة توصيفها بدقة، فمن المهم الخروج بمفهوم واضح لماهية المشهد السياسي.

وعلى العراقيين والعالم التعايش مع ما سيأتي من بلاد الرافدين على امتداد التاريخ وتوالي العصور، فهذا ما ألِفته البلاد اليمانية منذ القرن الثاني الهجري بظهور الزيدية وحكمها لليمن.

فمنذ ذلك الزمن بات الحكم السياسي في قبضة فئة معينة يطلق عليهم مجازًا “البيت الزيدي”، أو كما يوصف بأنه “المركز المقدس”.

عبر القرون والأزمنة عرف شمال اليمن حكمًا ممزوجًا بالامتداد العرقي المحمي بما يسمى قبائل الطوق.

اليمنيون تعايشوا مع هذا الحكم بكل ما فيه وما احتُمل من العنصرية الطبقية والمذهبية، وعرف الناس كيف يتواءمون مع هذا الواقع بكل ما فيه، وما احتُمل حتى وإن كان في إبقائهم في العصور الوسطى أو حتى ما قبلها، فالمهم أنهم تعايشوا، والأكثر من ذلك أن محيطهم كذلك تعايش مع اليمن بكل ما فيه، فالكل بات يسمّي الانقلابات داخل البيت الزيدي على أنها “ثورات شعبية” كما يُطلق على ثورتي 1948 و1962، وحتى المستجد من يفترض أنها “ثورات معاصرة” كما حدث في “الربيع العربي” على أنها “ثورة تغيير”، بينما الواقع أنها انقلاب متسلسل في بيت الحكم الزيدي.

النمطية اليمنية معتادة، وهو ما يُستنسخ في العراق برغم أن هذا البلد العريق يحتضن قديما مرجعية النجف، غير أنه يوشك على تخصيب شفرة الحكم السياسي، لتكوين المركز المقدس لحكم العراق.

قد يستغرق هذا الأمر عقدا إضافيا من الزمن حتى يتكون وسيمتد لقرون بعيدة، وسيتعلم العراقيون كيف يتعايشون معه وفقا لمقتضيات الخارج والمحيط السياسي بهم، فإن شاء محيطهم نظاما ملكيا سيجعلونه ملكيا، وإن شاؤوا جمهوريا سيُجمْهرونه، فهذه شكليات لا معنى لها في ظل حاكم “مكلف إلهيا” كما هو يقدم نفسه للناس باعتباره مرجعية دينية لها أصلها في الأرض واتصالها بالسماء.

العراقيون ليس أمامهم خيارات بعد أن سقط نظامهم السياسي ودولتهم الوطنية في 2003 أمام نظر جوارهم العربي في مشهد لا يمكن أن تنساه الذاكرة.

السقوط كان مريعا وما تلاه كان فراغا ملأته إيران بعد سنوات تكسّرت فيها أطماعها عند بوابة العرب الشرقية التي لطالما كانت موصدة، بوابة لطالما صنعت الأمجاد والتواريخ المشهودة، لكن المحظور وقع وسقطت البوابة، وانهدمت جدران الدولة وحصونها.

الآن وفي زمن غوغائـية العوالم الافتراضية لا وقت للشعب العراقي غير التعايش مع التجربة “اليمانية” بما فيها من التعاسة والقبح والبشاعة.

لا يعرف أحد مقدار الوجع والجوع إلا بعد أن تسقط الدولة الوطنية ويتحكم بالناس مدّعو التكليف الإلهي، الذين يوظفون النمطية السياسية الليبرالية الآتية من “بلاد الكفر”، كما يقولون عنها، إلا أن الديمقراطية توفر الحصانة السياسية من الملاحقة القانونية، بموجب التفصيل الملائم لعمائمهم وجلابيبهم، تتحول البلدان لملهاة لا نهاية لها، يتصارعون ويتقاتل الأتباع والمريدون ليحكم مُعمَّم يدعي امتلاكه “صكوك الغفران” بالولاية على العباد فيما هو يتمتع بما لا يتمتع به أحد.

بالتأكيد لا يليق بشعب العراق ولبنان وسوريا وغيرها من الأوطان العربية استنساخ الحكم اليمني، فيكفي أن يعيش شعب واحد في عصور ما قبل التاريخ، وأن لا تتوسع هذه الفكرة التي لم يستفد منها اليمنيون غير أنهم اعتادوا أن يبقوا في ذيل قائمة الدول في كل شيء بلا استثناء.

يجب أن تكون هناك روافع وطنية قومية عروبية تتقدم وتقبل بتقديم التضحيات، فالعراق وغيره من البلاد على حافة “اليمْنَنَة” وهي المصير الأكثر جحيمًا..

والحكيم من اتعظ بغيره وهرب من الملهاة اليمانية!

نقلا عن الاتحاد الإماراتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى