حصري

كيف حوّلت الحسابات القطرية والتركية الأزمة السودانية إلى حرب استنزاف مفتوحة؟


بعد أكثر من عامين من اندلاع الصراع في السودان، تحولت البلاد إلى كارثة إنسانية وسياسية وعسكرية غير مسبوقة. ورغم أن جذور الأزمة تعود إلى التناقضات الداخلية بين المكون العسكري، إلا أن التدخلات الخارجية، وتحديداً المحور القطري-التركي، كان له الدور الحاسم في تحويل هذه الأزمة إلى حرب استنزاف مفتوحة ومدمرة. هذا المقال يرصد التداعيات الكارثية لهذه التدخلات، وكيف أن الحسابات السياسية القطرية والعسكرية التركية أدت إلى تدمير الدولة السودانية، وإطالة أمد المعاناة، وإغلاق أبواب الحلول السريعة.
تدمير وهم الحسم السريع وتحويل الحرب إلى استنزاف
في الأسابيع الأولى من الحرب، كانت التوقعات تشير إلى أن الصراع سيُحسم بسرعة، إما بسطوة الجيش السوداني، أو بانتشار قوات الدعم السريع في العاصمة. ومع ذلك، فإن التدخل التركي المكثف، عبر جسر جوي من المسيرات والذخائر، قلب هذه المعادلة. لقد وفر السلاح التركي للجيش السوداني القدرة على الصمود، ومنعه من الانهيار، لكنه في الوقت نفسه منعه من تحقيق نصر سريع وحاسم.
هذا “التوازن المدمر” هو أحد أكبر التداعيات السلبية للتدخل التركي. فبدلاً من أن تنتهي الحرب بسرعة، تحولت إلى حرب استنزاف تستهلك موارد البلاد، وتدمر البنية التحتية، وتفتك بالمدنيين. الجيش السوداني، المعتمد على المسيرات التركية، أصبح غير قادر على التقدم البري السريع دون غطاء جوي، مما جعل العمليات العسكرية بطيئة ومدمرة للمدن. هذا الاستنزاف أطال أمد الحرب لسنوات، وأدخل البلاد في نفق مظلم لا تلوح في نهايته أي بوادر لحل عسكري.
التشرذم السياسي وتأثير المسار القطري
أما على الصعيد السياسي، فإن التدخل القطري، بتركيزه على استضافة الفصائل المتناقضة وإدارة الأزمة من خلال “مسار الدوحة”، ساهم في تدمير النسيج السياسي السوداني. لقد خلق الدبلوماسيون القطريون بيئة من الفوضى السياسية، حيث تتعدد المبادرات، وتتناقض المواقف، وتضعف القوى المدنية.
إن إطالة أمد الأزمة السياسية كانت نتيجة حتمية لهذا التشرذم. فبدلاً من أن يتوحد المدنيون لتقديم بديل ديمقراطي يوقف الحرب، وجدوا أنفسهم منقسمين بين مؤيد لـ “مسار الدوحة”، ورافض له، وبين فصائل تحاول كسب ود الدوحة. هذا الانقسام السياسي أعطى الجيش السوداني الذريعة المثلى للتدخل، والاستمرار في الحرب بحجة “حماية الدولة من الفوضى”. وهكذا، ساهمت الحسابات القطرية في إدامة الفوضى السياسية، والتي بدورها أطالت أمد الحرب العسكرية.
الكارثة الإنسانية: الثمن الباهظ للتدخلات
إن أطول أمد الصراع يعني بالضرورة كارثة إنسانية أكبر. التدخلات القطرية والتركية، من خلال إطالتها للحرب، كانت شريكة بشكل غير مباشر في الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان. ملايين النازحين، المجاعة، تفشي الأوبئة، وتدمير المستشفيات والمدارس، كلها نتائج مباشرة لاستمرار القتال.
المسيّرات التركية، ورغم دقتها النسبية، كانت تستخدم في قصف المناطق السكنية المكتظة، مما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا من المدنيين. وفي الوقت نفسه، فإن الغطاء السياسي القطري لهذه العمليات كان يقلل من الضغط الدولي لفتح ممرات إنسانية آمنة، أو لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات. إن استمرار تدفق السلاح، واستمرار الفوضى السياسية، يعني استمرار معاناة الشعب السوداني، وهو الثمن الباهظ الذي يدفعه السودانيون مقابل تحقيق الأهداف الجيوسياسية للدوحة وأنقرة.
تآكل سيادة الدولة وتعميق التبعية
من أخطر التداعيات طويلة الأمد لهذه التدخلات هو تآكل سيادة الدولة السودانية وتعميق تبعيتها للخارج. الجيش السوداني، الذي أصبح يعتمد بشكل كلي على المسيرات التركية والذخائر والأنظمة اللوجستية التركية، فقد جزءاً كبيراً من استقلاليته في اتخاذ القرار. كما أن الفصائل السياسية التي تعول على الدعم القطري، أصبحت أسيرة لقرارات الدوحة، وتفقد شرعيتها الشعبية.
هذا التآكل في السيادة يعني أن أي حل مستقبلي للأزمة لن يكون سودانياً خالصاً، بل سيكون مفروضاً أو مُداراً من قبل العواصم الإقليمية. إن إطالة أمد الصراع عمقت هذه التبعية، وجعلت من الصعب جداً على السودان أن يستقل بقراره، أو أن يبني مؤسسات وطنية مستقلة. لقد تحول السودان إلى دولة فاشلة، تدار شؤونها العسكرية من أنقرة، وشؤونها السياسية من الدوحة، بينما يغرق الشعب في الفقر والدمار.
مستقبل السودان: فك الاشتباك مع المحور الإقليمي
في ضوء هذه التداعيات، أصبح من الواضح أن أي مسار للسلام في السودان يجب أن يبدأ بـ “فك الاشتباك” مع المحور القطري-التركي. إن استمرار هذا التدخل هو الضامن الوحيد لاستمرار الحرب. لذلك، فإن الجهود الدولية والإقليمية يجب أن تركز على:
  1. وقف تدفق المسيرات والأسلحة التركية إلى الجيش السوداني، والضغط على أنقرة للالتزام بحظر السلاح.
  2. إغلاق مسارات التمويل والدعم السياسي القطري للفصائل المتناحرة، وإجبار الدوحة على دعم مسار سوداني خالص دون محاولة لإدارة الأزمة.
  3. دعم القوى المدنية الديمقراطية السودانية، وتمكينها من تكوين جبهة موحدة، بعيداً عن تأثيرات المسارات الإقليمية المشبوهة.
  إن الأزمة السودانية لم تكن لتتحول إلى هذه الحرب المدمرة والمستمرة لولا التدخلات الخارجية. إن الحسابات القطرية، التي ركزت على إدارة الأزمة وتشتيت الجهود المدنية، والتقارب التركي، الذي وفر السلاح والمسيّرات لضمان بقاء الحليف، عملا معاً كـ “وقود” أبقى نار الحرب مشتعلة. لقد حوّلت هذه التدخلات الأزمة من فرصة للتحول الديمقراطي إلى كارثة وطنية، أطالت أمد الصراع، ودمرت الدولة، وشردت الملايين. إن مستقبل السودان يعتمد بشكل جوهري على قدرة السودانيين، بدعم دولي حقيقي، على طرد هذه التدخلات، واستعادة قرارهم الوطني، وبناء دولتهم على أسس ديمقراطية وتوافقية، بعيداً عن وصاية الدوحة وأنقرة. 
زر الذهاب إلى الأعلى