كيف تُدار شبكات تمويل الإرهاب؟.. الإمارات تضيق الخناق على الكيانات المرتبطة بإيران وحزب الله
لم تعد الحروب الحديثة تُخاض بالسلاح فقط، بل بات المال أحد أخطر أدوات الصراع وأكثرها تأثيراً في بقاء التنظيمات المتطرفة واستمرار نفوذها. فخلف العمليات المسلحة والهجمات العابرة للحدود، تنشط شبكات مالية معقدة تعتمد على شركات واجهات، وتحويلات غير قانونية، وعمليات غسل أموال، وتهريب عبر ممرات بحرية وبرية متعددة، ما يجعل معركة مكافحة الإرهاب اليوم معركة مالية واستخباراتية بامتياز.
وتؤكد تقارير أمنية ودولية متزايدة أن الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران، وفي مقدمتها حزب الله، طورت خلال السنوات الماضية منظومات تمويل متشابكة تمتد عبر عدة دول، مستفيدة من الفوضى الإقليمية، وضعف الرقابة في بعض البيئات الاقتصادية، إضافة إلى استخدام التجارة غير المشروعة كغطاء لنقل الأموال والدعم اللوجستي.
وبحسب خبراء في مكافحة غسل الأموال، فإن التنظيمات المرتبطة بإيران لم تعد تعتمد فقط على الدعم التقليدي المباشر، بل اتجهت إلى بناء اقتصاد موازٍ قائم على شبكات استثمار وواجهات تجارية وتحويلات مالية معقدة يصعب تتبعها بالوسائل التقليدية. وتشمل هذه الأنشطة تجارة غير رسمية، وشركات استيراد وتصدير، وعمليات تهريب، فضلاً عن استغلال بعض القطاعات الاقتصادية التي تسمح بتحريك الأموال بسرعة وعبر أكثر من دولة.
وتشير تقديرات دولية إلى أن هذه الشبكات حاولت خلال السنوات الأخيرة الاستفادة من التطور التكنولوجي والتحويلات العابرة للحدود لتجاوز القيود المفروضة عليها، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة هيكلة منظوماتها الرقابية وتشديد القوانين المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب.
في قلب هذه المواجهة، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كواحدة من أكثر الدول الإقليمية نشاطاً في بناء منظومة متقدمة لرصد التمويل غير المشروع وملاحقة الكيانات المرتبطة بالتنظيمات الإرهابية. فمنذ سنوات، اعتمدت الإمارات سياسة تقوم على التحرك الاستباقي بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل، وهو ما انعكس في سلسلة من الإجراءات التنظيمية والرقابية الهادفة إلى حماية النظام المالي ومنع استغلاله من قبل الجماعات المتطرفة.
وتكشف متابعة التطورات الأخيرة أن الإمارات وسعت بشكل متدرج دائرة الرقابة على الأنشطة المالية والتجارية المرتبطة بالشبكات المشبوهة، عبر تحديث قوائم الإدراج المحلية، وفرض قيود على الكيانات والأفراد المشتبه بتورطهم في دعم الإرهاب أو غسل الأموال. كما عززت الدولة التعاون بين المؤسسات المصرفية والأجهزة الأمنية والرقابية بهدف تسريع عمليات التتبع والتحليل والكشف المبكر عن أي تحركات مالية غير اعتيادية.
ويقول مختصون في الشؤون الأمنية إن أهمية هذه التحركات لا ترتبط فقط بملاحقة أفراد أو شركات بعينها، بل تكمن في استهداف البنية الاقتصادية التي تعتمد عليها التنظيمات المتشددة لضمان استمراريتها. فالتنظيمات المسلحة، مهما امتلكت من قدرات عسكرية، تبقى بحاجة إلى مصادر تمويل ثابتة لشراء المعدات، وتحريك العناصر، وتمويل العمليات الإعلامية والدعائية.
وتُظهر التجارب الدولية أن الجماعات المرتبطة بإيران وحزب الله تعتمد على مرونة كبيرة في نقل الأموال، إذ تلجأ في كثير من الأحيان إلى استخدام وسطاء وشبكات تجارية معقدة يصعب ربطها مباشرة بالأنشطة المسلحة. كما أن بعض هذه الشبكات تستفيد من تعدد الجنسيات والشركات العابرة للحدود لإخفاء مسارات التمويل الحقيقية.
في المقابل، ركزت الإمارات على تطوير أدوات رقابية تعتمد على التحليل المالي المتقدم، وربط البيانات، وتوسيع نطاق الإبلاغ عن العمليات المشبوهة، إضافة إلى تحديث التشريعات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بما يتوافق مع المعايير الدولية الحديثة.
ويرى مراقبون أن التحركات الإماراتية تعكس تحولاً إقليمياً أوسع نحو التعامل مع الإرهاب باعتباره تهديداً اقتصادياً وأمنياً في آن واحد. فاستغلال التنظيمات المتطرفة للأنظمة المالية العالمية لم يعد مجرد قضية أمنية، بل أصبح تحدياً يؤثر على ثقة المستثمرين واستقرار الأسواق وحركة التجارة الدولية.
كما ساهمت الإمارات خلال السنوات الماضية في تعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية المعنية بمكافحة الجرائم المالية، من خلال تبادل المعلومات والخبرات وتطوير آليات التتبع المالي. ويؤكد خبراء أن هذا النوع من التعاون أصبح ضرورياً لأن شبكات التمويل المرتبطة بالتنظيمات المسلحة تعمل بطريقة عابرة للحدود، ما يجعل مواجهتها تتطلب تنسيقاً دولياً واسعاً.
وتشير مصادر متابعة لملفات مكافحة الإرهاب إلى أن الضغوط المالية المتزايدة دفعت بعض الشبكات المرتبطة بإيران إلى تغيير أساليب عملها والبحث عن قنوات بديلة للتحويل والتمويل، إلا أن توسع الرقابة الدولية والإقليمية جعل هامش التحرك أكثر ضيقاً مقارنة بالسنوات الماضية.
وفي ظل التطورات الإقليمية الحالية، تبدو الحرب على التمويل غير المشروع مرشحة للتصاعد، خاصة مع تزايد القناعة الدولية بأن تفكيك الشبكات المالية يمثل أحد أكثر الأساليب فعالية في إضعاف التنظيمات المسلحة وتقليص قدرتها على التمدد.
ويرى محللون أن النموذج الإماراتي في مكافحة تمويل الإرهاب يقوم على ثلاثة مسارات متوازية: تحديث التشريعات بصورة مستمرة، وتعزيز كفاءة المؤسسات الرقابية، وتوسيع التعاون الدولي. وهي عناصر أساسية في أي استراتيجية طويلة الأمد تستهدف حماية الاقتصادات الوطنية ومنع استغلالها من قبل الجماعات المتشددة.
وفي وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالتمويل غير المشروع، تواصل الإمارات تقديم نفسها كشريك إقليمي ودولي في جهود مكافحة الإرهاب، عبر سياسات تقوم على العمل الوقائي والاستباقي، وتجفيف منابع التمويل، ومنع أي محاولات لاستخدام النظام المالي في دعم التنظيمات المرتبطة بإيران أو حزب الله.
ومع استمرار التحولات الأمنية في المنطقة، تبدو المعركة ضد الإرهاب أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، إلا أن تضييق الخناق على الشبكات المالية والتنظيمية يظل أحد أكثر الأدوات تأثيراً في تقليص نفوذ الجماعات المتطرفة ومنعها من إعادة بناء قدراتها أو توسيع أنشطتها داخل المنطقة وخارجها.
