اتبعوا مسار الأموال .. تشارلز آشر سمول يدعو الكونغرس إلى إقرار قانون الردع لمواجهة النفوذ الأجنبي ومعاداة السامية
عاد ملف معاداة السامية والنفوذ الأجنبي إلى واجهة النقاش داخل الولايات المتحدة، بعد كلمة ألقاها الدكتور تشارلز آشر سمول، مؤسس ومدير معهد معاداة السامية العالمية والسياسات (ISGAP)، خلال حلقة نقاشية نظمت على هامش قمة منظمة “المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل” (Christians United for Israel – CUFI)، إحدى أكبر المنظمات المسيحية الداعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة.
وخلال مداخلته، دعا سمول أعضاء الكونغرس الأمريكي إلى إقرار ما يعرف بـ”قانون الردع” (Deterrent Act)، معتبراً أن مواجهة معاداة السامية لا ينبغي أن تقتصر على التعامل مع نتائجها المباشرة، بل يجب أن تمتد إلى معالجة ما وصفه بالأسباب الهيكلية التي تسمح بانتشارها داخل المؤسسات الأكاديمية والثقافية والسياسية.
وقد ركز رئيس معهد ISGAP على مفهوم “اتباع مسار الأموال”، باعتباره – وفق طرحه – مدخلاً لفهم شبكات التأثير والتمويل التي يرى أنها تؤثر في صناعة القرار وفي الخطاب العام داخل عدد من المؤسسات الغربية. وأوضح أن تتبع مصادر التمويل، سواء كانت حكومية أو عبر مؤسسات ومنظمات عابرة للحدود، يمثل أداة مهمة لتعزيز الشفافية وحماية استقلالية المؤسسات.
معاداة السامية.. قضية تتجاوز الجرائم الفردية
يرى سمول أن معاداة السامية في الوقت الراهن لم تعد تقتصر على أعمال الكراهية الفردية أو الاعتداءات المباشرة، بل أصبحت – بحسب رؤيته – ظاهرة مرتبطة بخطابات أيديولوجية وشبكات نفوذ تتداخل مع قضايا التمويل والسياسة الخارجية والتعليم العالي.
وأشار خلال حديثه إلى أن بعض الجامعات الغربية أصبحت، من وجهة نظره، ساحة لصراعات فكرية وسياسية تتجاوز حدود النقاش الأكاديمي التقليدي، داعياً إلى تعزيز الرقابة على مصادر التمويل الأجنبية التي تستفيد منها بعض المؤسسات التعليمية ومراكز البحث.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الجامعات الأمريكية نقاشاً واسعاً حول حرية التعبير، والاحتجاجات المرتبطة بالحرب في غزة، والتوازن بين حماية حرية الرأي ومكافحة خطاب الكراهية.
“اتبعوا الأموال”
خصص سمول جزءاً مهماً من حديثه للحديث عن أهمية تتبع مسارات التمويل، معتبراً أن الشفافية المالية تمثل أحد المفاتيح لفهم طبيعة التأثير الذي قد تمارسه جهات خارجية على المؤسسات الأمريكية.
وبحسب ما طرحه، فإن التدقيق في مصادر الأموال يساعد صناع القرار على تقييم طبيعة العلاقات بين المؤسسات والجهات الممولة، كما يسهم في الحد من أي تأثير قد يتعارض مع المصالح الوطنية أو استقلالية المؤسسات.
ويعد هذا الطرح امتداداً لجدل مستمر داخل الولايات المتحدة حول التمويل الأجنبي للجامعات ومراكز الأبحاث، وهو ملف تناولته خلال السنوات الأخيرة تقارير حكومية ولجان في الكونغرس، في ظل مطالبات متكررة بمزيد من الإفصاح والشفافية.
دعوة إلى إقرار “قانون الردع”
ضمن أبرز الرسائل التي حملتها كلمة سمول، دعوته الصريحة إلى الكونغرس لإقرار “قانون الردع” خلال العام الجاري، باعتباره – وفق رأيه – أداة تشريعية من شأنها الحد من النفوذ الأجنبي وتعزيز الرقابة على مصادر التمويل.
ويأتي هذا الطرح في سياق اهتمام متزايد داخل الأوساط السياسية الأمريكية بتحديث التشريعات المتعلقة بالشفافية والتمويل الأجنبي، خصوصاً بعد تصاعد النقاش حول أمن الجامعات واستقلال المؤسسات البحثية.
ويؤكد مؤيدو مثل هذه المبادرات أن تعزيز الشفافية يسهم في حماية المؤسسات الديمقراطية، فيما يحذر منتقدون من أن بعض التشريعات قد تثير نقاشات تتعلق بحرية العمل الأكاديمي والعلاقات الدولية، وهو ما يجعل الملف محل نقاش مستمر داخل الولايات المتحدة.
الإسلام السياسي في سياق النقاش
وخلال مداخلته، أشار سمول أيضاً إلى جماعة الإخوان المسلمين، معتبراً أن التعامل مع معاداة السامية، وفق رؤيته، يتطلب الانتباه إلى ما وصفه بشبكات أيديولوجية عابرة للحدود. ويُعد هذا الطرح جزءاً من رؤية يتبناها المعهد الذي يرأسه، بينما توجد في المقابل دراسات وباحثون يقدمون قراءات مختلفة لطبيعة هذه العلاقة، وهو ما يعكس استمرار الجدل الأكاديمي والسياسي حول هذا الملف.
وتبرز هذه النقطة أهمية التمييز بين ما يطرحه المتحدثون في الندوات والمؤتمرات وبين ما يشكل إجماعاً علمياً أو سياسياً، إذ لا تزال هذه القضايا محل نقاش داخل الأوساط البحثية.
CUFI ومنصة النقاش
اكتسبت الكلمة اهتماماً إضافياً بسبب انعقادها خلال قمة منظمة “المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل” (CUFI)، التي تُعد من أبرز المنظمات الأمريكية المؤيدة لإسرائيل، وتستقطب سنوياً مسؤولين أمريكيين وأعضاء في الكونغرس وباحثين وممثلين عن مؤسسات فكرية.
وتشكل القمة منصة لطرح قضايا تتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية، والعلاقات مع إسرائيل، ومعاداة السامية، والتحديات الأمنية، وهو ما يمنح الكلمات التي تُلقى خلالها اهتماماً إعلامياً وسياسياً داخل الولايات المتحدة.
تكشف كلمة تشارلز آشر سمول عن استمرار حضور ملف معاداة السامية والتمويل الأجنبي في قلب النقاش الأمريكي، كما تعكس الدور الذي تلعبه مراكز الأبحاث والمنظمات غير الحكومية في التأثير على النقاشات التشريعية وصناعة السياسات.
وفي الوقت نفسه، يظل هذا الملف محاطاً بتباين في وجهات النظر بين مختلف الفاعلين السياسيين والأكاديميين، وهو ما يجعل أي قراءة له بحاجة إلى وضع التصريحات في سياقها، والتمييز بين المواقف التي يعبر عنها أصحابها وبين الوقائع التي يمكن التحقق منها.
وبين الدعوات إلى تشديد الرقابة على التمويل الأجنبي، والحرص على حماية استقلال المؤسسات، يستمر الجدل في الولايات المتحدة حول أفضل السبل لتحقيق التوازن بين الأمن، والشفافية، والحريات الأكاديمية. ومن المرجح أن يظل هذا النقاش حاضراً في أجندة الكونغرس ومراكز الفكر خلال المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الاهتمام بقضايا النفوذ الأجنبي، ومكافحة خطاب الكراهية، وحماية المؤسسات الديمقراطية.
