حصري

معهد ISGAP.. كيف أصبح أحد أبرز الأصوات في النقاش الأمريكي حول معاداة السامية والتمويل الأجنبي؟


برز اسم معهد معاداة السامية العالمية والسياسات (Institute for the Study of Global Antisemitism and Policy – ISGAP) خلال السنوات الأخيرة باعتباره أحد مراكز الأبحاث التي تركز على دراسة معاداة السامية المعاصرة وعلاقتها بالسياسات العامة والتعليم العالي وقضايا الأمن الفكري. ورغم أن المعهد لا يُعد من أقدم مراكز الفكر في الولايات المتحدة، فإنه نجح في ترسيخ حضوره داخل النقاشات الأكاديمية والسياسية، خاصة في الملفات المرتبطة بالجامعات، والتمويل الأجنبي، والعلاقات الدولية.

وتزايد الاهتمام بالمعهد مجددًا بعد مشاركة مؤسسه ورئيسه، الدكتور تشارلز آشر سمول، في قمة منظمة “المسيحيون المتحدون من أجل إسرائيل” (CUFI)، حيث دعا خلال مداخلته إلى تعزيز الرقابة على مصادر التمويل الأجنبية وإقرار تشريعات قال إنها ستساعد في حماية المؤسسات الأمريكية من التأثيرات الخارجية. وقد أعادت هذه التصريحات تسليط الضوء على الدور الذي يلعبه المعهد في النقاشات الدائرة داخل الولايات المتحدة بشأن معاداة السامية والسياسات المرتبطة بها.

مركز بحثي متخصص

يقدم ISGAP نفسه كمؤسسة بحثية مستقلة تهدف إلى دراسة معاداة السامية من منظور أكاديمي، مع التركيز على أبعادها التاريخية والسياسية والاجتماعية. ويعمل المعهد مع باحثين وأكاديميين من جامعات ومؤسسات مختلفة، وينظم مؤتمرات وندوات وبرامج تدريبية تتناول قضايا تتعلق بالتطرف وخطاب الكراهية والتعليم.

ويؤكد القائمون على المعهد أن الهدف من أنشطته هو توفير أبحاث يمكن أن يستفيد منها صناع القرار والمؤسسات التعليمية، إضافة إلى دعم النقاش الأكاديمي حول الظواهر المرتبطة بالتمييز والكراهية.

من البحث الأكاديمي إلى النقاش السياسي

لم يعد دور مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة يقتصر على إنتاج الدراسات، بل أصبحت كثير منها تشارك في النقاش العام عبر جلسات الاستماع في الكونغرس، والندوات السياسية، والمؤتمرات الدولية. ويندرج ISGAP ضمن هذا الإطار، إذ يشارك ممثلوه بانتظام في فعاليات تناقش قضايا السياسة الخارجية والأمن والتعليم.

وفي السنوات الأخيرة، ركز المعهد على دراسة العلاقة بين التمويل الأجنبي لبعض الجامعات الأمريكية وبين استقلالية المؤسسات الأكاديمية. ويرى مسؤولوه أن الشفافية في مصادر التمويل تمثل عنصرًا أساسيًا لحماية البحث العلمي من أي تأثيرات خارجية محتملة.

ويأتي هذا الطرح في سياق نقاش أوسع داخل الولايات المتحدة، حيث شهدت بعض الجامعات تحقيقات رسمية بشأن الإفصاح عن التمويل الأجنبي، وهو موضوع تناولته جهات حكومية ولجان في الكونغرس من زوايا متعددة.

معاداة السامية في قلب اهتمامات المعهد

يشكل ملف معاداة السامية المحور الأساسي لعمل ISGAP. ويعتبر المعهد أن الظاهرة شهدت تحولات خلال العقود الأخيرة، وأصبحت ترتبط – بحسب رؤيته – بعوامل سياسية وإعلامية وثقافية تتجاوز الأنماط التقليدية للكراهية الدينية أو العرقية.

وفي هذا السياق، ينشر المعهد تقارير ودراسات تناقش انتشار الخطابات المعادية لليهود في عدد من البيئات الاجتماعية والسياسية، كما ينظم مؤتمرات تجمع أكاديميين وخبراء لمناقشة التطورات المتعلقة بهذا الملف.

غير أن تعريف معاداة السامية وحدود تطبيقه يبقى موضوعًا للنقاش بين الباحثين، إذ يرى بعض الأكاديميين أن توسيع المفهوم قد يثير تساؤلات تتعلق بحرية التعبير، بينما يؤكد آخرون أن التطورات الحديثة تستوجب مقاربات جديدة للتعامل مع الظاهرة.

التمويل الأجنبي والجامعات

من أبرز الملفات التي يركز عليها المعهد قضية التمويل الأجنبي للمؤسسات التعليمية. ويرى مسؤولوه أن الإفصاح الكامل عن مصادر الأموال يعزز الثقة في المؤسسات الأكاديمية ويحافظ على استقلاليتها.

وفي المقابل، يشير باحثون إلى أن الجامعات الأمريكية تعتمد منذ عقود على شراكات وتمويلات دولية في مجالات البحث والتعليم، وأن أي نقاش حول هذا الملف يحتاج إلى التمييز بين التعاون الأكاديمي المشروع وبين الحالات التي قد تستدعي مراجعة قانونية أو رقابية.

ويعكس هذا التباين طبيعة الجدل القائم داخل الولايات المتحدة حول كيفية تحقيق التوازن بين الانفتاح الأكاديمي وحماية المؤسسات من أي نفوذ غير معلن.

حضور متزايد في المؤتمرات

ساهمت مشاركة ISGAP في مؤتمرات دولية وفعاليات سياسية في زيادة حضوره الإعلامي. وغالبًا ما يشارك ممثلو المعهد في جلسات تناقش الأمن الفكري، ومعاداة السامية، والسياسات التعليمية، والعلاقات الدولية.

كما ينشر المعهد بشكل دوري بيانات وتقارير تتناول التطورات المرتبطة بهذه الملفات، وهو ما يجعله حاضرًا في النقاشات التي تتجاوز الإطار الأكاديمي لتصل إلى دوائر صنع القرار.

بين الدعم والانتقاد

مثل كثير من مراكز الفكر، يحظى ISGAP بدعم من جهات ترى أن أبحاثه تسهم في فهم أفضل لظاهرة معاداة السامية والتحديات المرتبطة بها. وفي المقابل، يواجه المعهد أيضًا انتقادات من بعض الأكاديميين والباحثين الذين يختلفون مع بعض استنتاجاته أو مع الطريقة التي يربط بها بين قضايا سياسية مختلفة.

ويعد هذا الاختلاف جزءًا طبيعيًا من البيئة البحثية، حيث تتعدد المدارس الفكرية والمقاربات العلمية في تناول القضايا الحساسة، خصوصًا تلك التي تتداخل فيها السياسة والأمن والتعليم.

تكشف تجربة ISGAP عن الدور المتنامي الذي تؤديه مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة، ليس فقط في إنتاج المعرفة، وإنما أيضًا في التأثير على النقاش العام وتقديم رؤى يستفيد منها صناع القرار والمؤسسات.

وفي الوقت ذاته، فإن تأثير هذه المراكز يقترن دائمًا بالنقاش حول منهجياتها واستنتاجاتها، وهو ما يجعل تقييم دورها مرتبطًا بقراءة أوسع للمشهد الأكاديمي والسياسي الأمريكي.

وبين مؤيد يرى في هذه المؤسسات مصدرًا مهمًا للخبرة والتحليل، وناقد يدعو إلى التعامل مع مخرجاتها بقدر من التدقيق، يظل حضور مراكز الفكر مثل ISGAP جزءًا من المشهد الديمقراطي الأمريكي الذي يقوم على تعدد الآراء وتنافس الأفكار. ومن هذا المنطلق، تستمر هذه المؤسسات في لعب دور مؤثر في القضايا التي تشغل الرأي العام وصناع السياسات، مع بقاء النقاش مفتوحًا حول طبيعة هذا التأثير وحدوده.

زر الذهاب إلى الأعلى