حصري

تصنيف CAIR منظمة إرهابية في فلوريدا يفتح مواجهة دستورية حول حرية التعبير والعمل المدني


لم يعد قرار ولاية فلوريدا تصنيف مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية «CAIR» منظمة إرهابية مجرد مواجهة سياسية بين الحاكم رون ديسانتيس ومنظمة إسلامية أميركية، بل تحول إلى معركة دستورية قد تحدد حدود صلاحيات الولايات في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب ضد منظمات تنشط في المجال المدني والسياسي.

فبعد أن صوّت ديسانتيس وأعضاء مجلس الوزراء في 29 سبتمبر 2026 على إدراج CAIR وCAIR-Florida ضمن قائمة التنظيمات المصنفة إرهابية على مستوى الولاية، سارعت المنظمة، بدعم من الاتحاد الأميركي للحريات المدنية ومنظمات حقوقية أخرى، إلى العودة إلى المحكمة الفدرالية. وتقول الجهات المدافعة عنها إن التصنيف يمثل انتهاكاً لحرية التعبير والإجراءات القانونية الواجبة، بينما تصر سلطات فلوريدا على أن القانون يمنحها صلاحية واضحة لحماية مؤسسات الولاية وأموال دافعي الضرائب.

وتعود جذور المواجهة إلى ديسمبر 2025، عندما أصدر ديسانتيس أمراً تنفيذياً استهدف CAIR والإخوان المسلمين. لكن ذلك المسار واجه ضربة قضائية في مارس 2026، عندما أوقف قاضٍ فدرالي تنفيذ الأمر، في قرار اعتبر أن حقوق CAIR في التعبير والعمل المدني تستحق حماية دستورية قوية.

بدلاً من التراجع، انتقلت حكومة فلوريدا إلى مسار تشريعي. وفي أبريل 2026 وقع ديسانتيس قانون HB 1471، الذي أنشأ نظاماً خاصاً يسمح للولاية بتحديد ما تسميه «منظمات إرهابية محلية». ودخل القانون حيز التنفيذ في الأول من يوليو، لتبدأ بعد ذلك إجراءات إعداد القواعد التي ستسمح بتنفيذ التصنيفات.

وفي سبتمبر، وافق مجلس الوزراء على الإطار الإجرائي، ثم جاء التصويت النهائي في 29 سبتمبر. وتقول مصادر إعلامية أميركية إن الاجتماع لم يشهد نقاشاً عاماً مطولاً حول كل منظمة، كما لم تُمنح CAIR فرصة لتقديم مرافعة شفوية أمام المجلس قبل التصويت، وهو ما أصبح لاحقاً جزءاً رئيسياً من الدعوى القضائية.

وتؤكد CAIR أن طبيعتها مختلفة جذرياً عن التنظيمات التي ترتبط تقليدياً بمفهوم الإرهاب. فالمنظمة تقدم نفسها باعتبارها منظمة أميركية للدفاع عن الحقوق المدنية للمسلمين، وتعمل في ملفات تتعلق بالتمييز والحريات الدينية وحقوق الأفراد. كما أنها تشارك في النشاط السياسي والإعلامي وتقدم المساعدة القانونية والتوعية بالحقوق.

لكن خصوم المنظمة في فلوريدا يركزون على تاريخ الجدل حول بعض مؤسسيها وعلى مزاعم تتعلق بعلاقات سابقة مع حركة حماس أو جماعة الإخوان المسلمين. وتستند السلطات في بعض حججها إلى قضية «مؤسسة الأرض المقدسة» المتعلقة بتمويل الإرهاب، حيث ظهر اسم CAIR ضمن قائمة منظمات أو أشخاص ورد ذكرهم باعتبارهم «متهمين مشاركين غير موجهة إليهم اتهامات» في القضية. غير أن هذا الوضع لا يساوي إدانة جنائية للمنظمة، وهي نقطة أساسية في المعركة القانونية الحالية.

وتنفي CAIR وجود علاقة تنظيمية بينها وبين جماعة الإخوان المسلمين أو حركة حماس، وتؤكد أن نشاطها مستقل وأنها تعمل داخل الإطار القانوني الأميركي.

وهذه النقطة تحديداً جعلت القضية تحظى باهتمام وسائل الإعلام الدولية، لأن السؤال لا يتعلق فقط بالموقف من CAIR، وإنما بما يمكن أن يحدث عندما تستخدم حكومة ولاية وصفاً بالغ الخطورة مثل «منظمة إرهابية» ضد مؤسسة مدنية لم تتم إدانتها بارتكاب عمل إرهابي.

وتناولت «الغارديان» هذه المسألة منذ بداية المواجهة، معتبرة أن استخدام حكام الولايات لصلاحيات التصنيف يفتح نقاشاً حول السلطة الفدرالية وحول قدرة الولايات على إطلاق تصنيفات إرهابية مستقلة. كما ربطت الصحيفة التطورات في فلوريدا بتجربة تكساس، حيث اتخذ الحاكم غريغ أبوت خطوة مشابهة ضد CAIR والإخوان المسلمين.

وفي المقابل، قدمت وسائل إعلام أميركية أخرى القضية باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لمكافحة التطرف والنفوذ الأجنبي. وقالت إدارة ديسانتيس إن القانون الجديد لا يستهدف المسلمين أو النشاط المدني، وإنما يوفر للولاية أدوات إضافية لمنع الجماعات التي تعتبرها خطرة من الحصول على تمويل عام أو الاستفادة من موارد المؤسسات الحكومية.

لكن المعركة القضائية لا تقتصر على مسألة التصنيف نفسه. فالقانون يترتب عليه عدد من الآثار العملية. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن المنظمات المصنفة يمكن أن تواجه قيوداً على العقود والتمويل الحكومي، كما يمكن أن تتأثر الأنشطة التي تتم داخل الجامعات والمؤسسات العامة. كما أن القانون يفرض قيوداً على المؤسسات التعليمية التي تقدم دعماً أو موارد لمنظمات مصنفة.

ولهذا ترى CAIR أن التصنيف قد يؤدي عملياً إلى شل نشاطها في فلوريدا، حتى لو لم تُحل المنظمة رسمياً. فحرمانها من العقود والموارد العامة وفرض قيود على التعامل معها قد يجعل استمرار عملها أكثر صعوبة، بحسب حججها أمام المحكمة.

وفي المقابل، تقول سلطات الولاية إن هذه القيود لا تعني تجريم التعبير السياسي بحد ذاته، بل تستهدف الدعم المادي لمنظمات صنفتها الولاية وفق القانون.

وهنا يبرز سؤال قانوني بالغ الحساسية: أين تنتهي حرية التعبير ويبدأ الدعم المادي لتنظيم تعتبره الحكومة إرهابياً؟ وهل تستطيع حكومة الولاية أن تحدد بنفسها أن منظمة مدنية تدخل ضمن هذا التعريف، أم أن هذا النوع من التصنيف يجب أن يبقى من اختصاص الحكومة الفدرالية؟

هذا السؤال ليس جديداً تماماً في الولايات المتحدة، لكنه يأخذ بعداً مختلفاً بسبب طبيعة CAIR. فلو كانت القضية تتعلق بتنظيم مسلح أو جماعة تنفذ عمليات عنيفة، لكان النقاش القانوني مختلفاً. أما عندما يتعلق الأمر بمنظمة تقول إنها تعمل في الدفاع عن الحقوق المدنية، فإن التعديل الأول للدستور يصبح في صلب المعركة.

وقد وصفت الـACLU النظام الجديد بأنه غير مسبوق، وقالت إن القانون يمنح السلطات قدرة واسعة على استهداف منظمات تمارس أنشطة محمية بموجب الدستور. كما أعلنت المنظمة الحقوقية أنها ستواصل تمثيل CAIR أمام القضاء.

ومن جهة أخرى، لم تتوقف القضية عند المستوى الأميركي الداخلي، بل دخلت في سياق سياسي دولي أوسع. فقرار فلوريدا جاء بعد قرار فدرالي أميركي في يناير 2026 استهدف فروعاً محددة من جماعة الإخوان المسلمين في مصر والأردن ولبنان. وقد ذكرت وزارة الخزانة الأميركية أن فرعي مصر والأردن صُنفا كـ«إرهابيين عالميين محددين»، بينما صنفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني أيضاً كمنظمة إرهابية أجنبية.

وقد غطت «رويترز» القرار الفدرالي في يناير، مؤكدة أن التصنيف شمل ثلاثة فروع محددة وليس جماعة الإخوان المسلمين بأكملها في كل دول العالم. أما «الجزيرة» فركزت على ردود فعل الجماعة ورفضها القرار وإعلانها عزمها على استخدام السبل القانونية للطعن فيه.

وهذا التفريق مهم جداً في تناول الملف إعلامياً. فالتطورات الفدرالية شيء، وتصنيف فلوريدا شيء آخر. وفي الوقت الذي تتحرك فيه واشنطن ضد فروع معينة من الإخوان استناداً إلى اتهامات مرتبطة بحماس، تتحرك فلوريدا وفق قانون محلي خاص بها.

كما أن قرار فلوريدا لا يعني أن CAIR أصبحت مدرجة على قائمة وزارة الخارجية الأميركية للمنظمات الإرهابية الأجنبية.

وفي 1 أكتوبر، شهد الملف تطوراً قضائياً جديداً، عندما رفضت المحكمة دعوى أولى لـCAIR لأسباب تتعلق بالصفة القانونية والمصلحة في التقاضي، لكن المنظمة قدمت بعد ساعات دعوى جديدة بعدما أصبح التصنيف واقعاً وليس مجرد تهديد محتمل. وهو ما أعاد القضية إلى الواجهة القضائية من جديد.

وتقول آخر المعطيات المتاحة إن التصنيف يفترض أن يصبح نافذاً في 5 نوفمبر 2026، ما لم تتدخل المحكمة قبل ذلك التاريخ. وبالتالي فإن الأسابيع المقبلة قد تشهد معركة قانونية مكثفة، خصوصاً أن CAIR تطلب تدخلاً قضائياً عاجلاً لمنع تطبيق القرار.

وفي حال قررت المحكمة تعليق التصنيف، فقد تدخل القضية مرحلة جديدة من التقاضي قد تمتد إلى درجات أعلى. أما إذا سمحت بدخوله حيز التنفيذ، فقد يصبح نموذج فلوريدا اختباراً عملياً لما إذا كان بإمكان حكومات الولايات استخدام قوانين مكافحة الإرهاب للتعامل مع منظمات سياسية ومدنية.

ولهذا أصبحت قضية CAIR في فلوريدا أكبر من مجرد خلاف بين منظمة وحاكم. إنها اختبار للتوازن بين الأمن والحقوق المدنية، وبين سلطة الحكومة في مواجهة التطرف وحماية حرية التعبير والتنظيم. كما أنها تعكس تحولاً أوسع في النقاش الأميركي حول تعريف الإرهاب وحدود استخدام هذا المصطلح في الصراع السياسي.

المصادر والتغطية: تابعت ACLU تفاصيل الدعوى وتطوراتها حتى 3 أكتوبر، بينما تناولت Bloomberg Law الدعوى الجديدة التي قدمتها CAIR في أعقاب التصنيف. كما غطت CBS News وWUSF التصويت في فلوريدا وآثاره القانونية، فيما تناولت The Guardian السياق الأوسع للتصنيفات ضد CAIR.

زر الذهاب إلى الأعلى