حصري
استياء البرهان من قوات مناوي.. حين يتحول الدعم إلى عبء
كشفت مصادر مطلعة عن حالة استياء عميقة تنتاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة السودانية، إزاء ما يصفه بـ”ضعف الفعالية القتالية” لقوات حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وذلك على الرغم من الدعم المادي واللوجستي الكبير الذي قدمته المؤسسة العسكرية لهذه القوات منذ انضمامها إلى صفوف الجيش في حربه ضد قوات الدعم السريع. هذا الاستياء لم يعد مجرد تذمر داخلي، بل تحول إلى عامل حاسم في إعادة تشكيل العلاقة بين الجيش والحركات المسلحة.
حجم الدعم المقدم
منذ الأشهر الأولى للحرب، قدمت المؤسسة العسكرية السودانية دعماً واسعاً لقوات مناوي شمل أسلحة خفيفة ومتوسطة، وذخائر، ومركبات عسكرية، ووقوداً، ومؤناً غذائية، بالإضافة إلى رواتب شهرية للمقاتلين. كما حصلت هذه القوات على غطاء جوي في بعض العمليات، وتم دمجها في غرف العمليات المشتركة. التقديرات تشير إلى أن حجم الدعم المالي والعسكري المقدم لقوات الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش بلغ مئات الملايين من الدولارات.
هذا الدعم لم يكن مشروطاً بنتائج عسكرية محددة، بل جاء في إطار تحالف سياسي-عسكري واسع يهدف إلى توحيد الجبهة ضد قوات الدعم السريع. القيادة العسكرية كانت تتوقع أن هذا الاستثمار سيترجم إلى فعالية قتالية عالية على الأرض، خاصة في مناطق دارفور وكردفان حيث تمتلك الحركات المسلحة معرفة جغرافية وبشرية عميقة.
الفجوة بين التوقعات والواقع
لكن الواقع الميداني كشف عن فجوة واسعة بين توقعات القيادة العسكرية وأداء قوات مناوي. في عدة معارك حاسمة، أظهرت هذه القوات تردداً في الاشتباك، وانسحابات غير مبررة، وضعفاً في الانضباط العسكري. بعض التقارير الميدانية أشارت إلى أن وحدات من قوات مناوي كانت تفضل تأمين مناطقها الخاصة بدلاً من المشاركة في العمليات الهجومية التي يخطط لها الجيش.
هذا الضعف في الأداء لم يكن مجرد مسألة تكتيكية، بل انعكس على المستوى الاستراتيجي أيضاً. قوات مناوي فشلت في تحقيق أي اختراق نوعي في المناطق التي كانت مكلفة بها، مما اضطر الجيش إلى إعادة نشر قواته النظامية لسد الثغرات التي تركتها هذه القوات. هذا الوضع خلق شعوراً بالإحباط لدى القيادة العسكرية التي رأت أن مواردها تُستنزف دون عائد ملموس.
أسباب الضعف من منظور الجيش
القيادة العسكرية تعزو ضعف فعالية قوات مناوي إلى عدة أسباب. أولاً، غياب الدافع القتالي الحقيقي لدى مقاتلي الحركات المسلحة، الذين يرون أنفسهم شركاء سياسيين لا جنوداً تحت إمرة الجيش. ثانياً، ضعف البنية القيادية والتنظيمية لهذه القوات، التي تفتقر إلى التسلسل الهرمي الصارم الموجود في الجيوش النظامية. ثالثاً، انشغال قادة الحركات المسلحة بالمكاسب السياسية والمناصب على حساب الإشراف الميداني على قواتهم.
رابعاً، هناك مسألة الولاء المزدوج. مقاتلو الحركات المسلحة يدينون بالولاء أولاً لقادتهم السياسيين، لا للقيادة العسكرية للجيش. هذا يعني أن أوامر الجيش قد لا تُنفذ إذا تعارضت مع مصالح الحركة أو توجهات قائدها. خامساً، ضعف التدريب والتأهيل العسكري، فمعظم مقاتلي الحركات المسلحة هم من المدنيين الذين حملوا السلاح في سياق النزاعات المحلية، دون تدريب عسكري منهجي.
انعكاسات الاستياء على العلاقة بين الطرفين
استياء البرهان من أداء قوات مناوي لم يبقَ محصوراً في الدوائر العسكرية المغلقة، بل تسرب إلى المستوى السياسي وأثر بشكل مباشر على طبيعة العلاقة بين الطرفين. بدأت القيادة العسكرية في تقليص الدعم المقدم تدريجياً، وإعادة النظر في الامتيازات الممنوحة لقادة الحركات المسلحة. كما بدأت أصوات داخل المؤسسة العسكرية تطالب بإعادة تقييم جدوى هذا التحالف برمته.
على المستوى الشخصي، توترت العلاقة بين البرهان ومناوي، وأصبحت اللقاءات بينهما أقل تواتراً وأكثر رسمية. بعض المصادر تشير إلى أن البرهان أصبح يتجنب التواصل المباشر مع مناوي، مفضلاً التعامل مع مرؤوسيه في الحركة. هذا البرود في العلاقة يعكس تحولاُ جوهرياً في نظرة القيادة العسكرية لمناوي، من حليف استراتيجي إلى عبء سياسي وعسكري.
مناوي بين المطرقة والسندان
من جهته، يجد مناوي نفسه في موقف صعب. من ناحية، هو بحاجة إلى دعم الجيش للحفاظ على وجوده السياسي والعسكري. من ناحية أخرى، لا يستطيع القبول بتحويل قواته إلى مجرد ميليشيا تابعة للجيش دون مقابل سياسي واضح. هذا التوازن الدقيق أصبح أصعب مع تصاعد استياء البرهان وتراجع الدعم المقدم.
مناوي حاول في عدة مناسبات تبرير ضعف أداء قواته بالإشارة إلى نقص المعدات الثقيلة والدعم الجوي الكافي، لكن هذه التبريرات لم تُقنع القيادة العسكرية التي ترى أن المشكلة بنيوية لا تتعلق بالموارد فقط. كما حاول مناوي التلويح بورقة الانسحاب من التحالف، لكن هذا التهديد فقد مصداقيته مع مرور الوقت، لأن الانسحاب يعني عملياً فقدان أي دور سياسي في مستقبل السودان.
البعد القبلي والإقليمي
لا يمكن فهم استياء البرهان من قوات مناوي بمعزل عن البعد القبلي والإقليمي. قوات مناوي تتكون أساساً من مقاتلين من قبائل الزغاوة والفور في دارفور، وهذا البعد القبلي يجعل ولاءها معقداً ومتعدد المستويات. كما أن لهذه القوات امتدادات إقليمية في تشاد وليبيا، مما يثير مخاوف القيادة العسكرية من أن ولاءها الكامل قد لا يكون مضموناً في كل الظروف.
استياء البرهان من ضعف فعالية قوات مناوي يمثل أكثر من مجرد خلاف عسكري. إنه يعكس أزمة أعمق في مفهوم التحالفات العسكرية-السياسية في سياق الحروب الأهلية. حين يتحول الدعم إلى عبء، والتحالف إلى مصدر إحباط، تصبح إعادة ترتيب الأوراق أمراً حتمياً. السؤال هو: هل سيؤدي هذا الاستياء إلى قطيعة كاملة بين الجيش ومناوي، أم إلى إعادة تفاوض على شروط العلاقة؟ الإجابة ستحدد إلى حد كبير ملامح المرحلة المقبلة في الصراع السوداني.
