حصري
تركيا والأيديولوجيا في السودان.. كيف حوّلت أنقرة صراع السلطة إلى حرب هوية
15 أغسطس 2026
5 دقائق
من أخطر أوجه التدخل التركي في الأزمة السودانية البعد الأيديولوجي الذي حمله هذا التدخل. فتركيا، بقيادة حزب العدالة والتنمية، لم تتعامل مع السودان كملف سياسي أو أمني فحسب، بل كساحة أيديولوجية تسعى من خلالها لترسيخ نفوذ تيارات الإسلام السياسي التي ترى فيها أنقرة امتداداً طبيعياً لمشروعها الإقليمي. هذا البعد الأيديولوجي حوّل صراعاً على السلطة والموارد إلى حرب هوية واستقطاب حاد، ما جعل التسوية أكثر صعوبة والصراع أكثر عمقاً.
إرث البشير: الجسر الأيديولوجي بين أنقرة والخرطوم
بنى نظام عمر البشير، الذي حكم السودان لثلاثة عقود، علاقات وثيقة مع تركيا على أساس أيديولوجي مشترك. فكلا النظامين رفع راية الإسلام السياسي، وكلاهما سعى لبناء نموذج حكم يمزج بين الدين والسياسة. هذه العلاقة الأيديولوجية جعلت السودان في عهد البشير حليفاً طبيعياً لتركيا، ووفرت لأنقرة شبكة علاقات عميقة داخل مؤسسات الدولة السودانية والمجتمع المدني.
عندما أطاحت ثورة ديسمبر 2018 بالبشير، لم تنقطع هذه الشبكة الأيديولوجية. بل إن عناصر النظام السابق، المرتبطين أيديولوجياً بتركيا، سعوا لإعادة تنظيم صفوفهم مستفيدين من الدعم التركي. هذا الإرث الأيديولوجي يعني أن تركيا لم تدخل الأزمة السودانية كطرف محايد. بل كحليف لتيار أيديولوجي محدد يسعى لاستعادة السلطة.
الإسلاميون السودانيون: حلفاء أنقرة في معركة العودة
بعد الإطاحة بالبشير، سعت تيارات الإسلام السياسي السودانية لإعادة تنظيم نفسها والعودة إلى المشهد السياسي. تركيا كانت الداعم الأبرز لهذه المساعي سواء عبر الدعم السياسي أو الإعلامي أو اللوجستي فأنقرة ترى في الإسلاميين السودانيين حليفاً أيديولوجياً طبيعياً. وعودتهم إلى السلطة تعني تعزيز النفوذ التركي في السودان.
هذا الدعم التركي للإسلاميين أسهم في تعقيد المشهد السوداني بشكل كبير. فبدلاً من أن يكون الصراع بين مؤسستين عسكريتين يمكن التفاوض بينهما. أضاف التدخل التركي بُعداً أيديولوجياً جعل المعادلة أكثر تعقيداً. فالإسلاميون، المدعومون تركياً، سعوا لتأجيج الصراع وإطالة أمده أملاً في أن تؤدي الفوضى إلى عودتهم إلى السلطة.
الإعلام التركي: آلة دعاية لخدمة الأيديولوجيا
لم يقتصر الدعم التركي للإسلاميين السودانيين على المستوى السياسي والعسكري، بل امتد إلى المستوى الإعلامي. فشبكات إعلامية تركية، وأخرى مرتبطة بتركيا. سعت لترويج رواية معينة للأزمة السودانية تخدم التيار الأيديولوجي المدعوم من أنقرة. هذا الإعلام صوّر الصراع بطريقة تخدم مصالح حلفاء تركيا، وشيطن أطرافاً معينة، وبرر أفعال أطراف أخرى.
هذا التوظيف الإعلامي حوّل الأزمة السودانية في الوعي العام من صراع على السلطة إلى صراع بين معسكرات أيديولوجية. والنتيجة كانت تعميق الاستقطاب داخل المجتمع السوداني. حيث أصبح كل فريق يتبنى الرواية التي تدعمها قوته الأيديولوجية الخارجية. تركيا، بهذا التوظيف الإعلامي، أسهمت في تحويل الصراع إلى حرب هوية يصعب إنهاؤها بالتفاوض.
أردوغان والسودان: مشروع إقليمي بغطاء أيديولوجي
لا يمكن فصل التدخل التركي في السودان عن المشروع الإقليمي الأوسع للرئيس أردوغان. فهذا المشروع يقوم على فكرة قيادة تركيا للعالم الإسلامي السني. وبناء شبكة من الحلفاء الأيديولوجيين في المنطقة. السودان، بموقعه الاستراتيجي وثقله الديموغرافي، يمثل حلقة مهمة في هذا المشروع.
أردوغان زار السودان في 2017 ليس فقط لبناء علاقات ثنائية، بل لتثبيت موطئ قدم في مشروع إقليمي أوسع. جزيرة سواكن، والاتفاقيات العسكرية، والعلاقات مع الإسلاميين، كلها كانت جزءاً من هذا المشروع. وبعد اندلاع الصراع في 2023، استمر هذا المشروع بأشكال مختلفة. ما يعني أن تركيا لا تتعامل مع السودان كملف منفصل، بل كجزء من استراتيجية إقليمية شاملة.
هذا المنظور الاستراتيجي يجعل تركيا غير معنية بإنهاء الصراع بسرعة، لأن استمراره يمنحها فرصة لتعزيز نفوذها وترتيب أوراقها. فأنقرة تفضل سوداناً ضعيفاً ومنقسماً يمكنها التأثير فيه، على سودان مستقر وقوي قد يرفض التدخلات الخارجية.
التعليم والثقافة: أدوات القوة الناعمة التركية
إلى جانب الأدوات العسكرية والسياسية والإعلامية، استخدمت تركيا أدوات القوة الناعمة في السودان. فالمؤسسات التعليمية التركية، والمنح الدراسية، والمراكز الثقافية. والجمعيات الخيرية المرتبطة بالحكومة التركية، كلها عملت على بناء شبكة نفوذ أيديولوجي في المجتمع السوداني.
هذه الأدوات، رغم أنها تبدو بريئة في ظاهرها، إلا أنها في سياق صراع أهلي تصبح أدوات استقطاب. فالطلاب الذين يدرسون في تركيا. والمستفيدون من المساعدات التركية، والمرتبطون بالمؤسسات الثقافية التركية، جميعهم يصبحون جزءاً من شبكة نفوذ أيديولوجي يخدم المصالح التركية. هذا النفوذ الناعم أسهم في خلق انقسامات داخل المجتمع السوداني، حيث أصبح هناك فريق مرتبط بتركيا أيديولوجياً وثقافياً.
الدبلوماسية الأيديولوجية: تركيا والتلاعب بالمسارات السياسية
استخدمت تركيا نفوذها الأيديولوجي للتأثير في المسارات السياسية والدبلوماسية المتعلقة بالسودان. فأنقرة سعت لضمان حضور حلفائها الإسلاميين في أي مفاوضات أو ترتيبات سياسية مستقبلية. هذا المسعى تعارض مع مطالب قطاعات واسعة من الشعب السوداني التي ثارت ضد حكم الإسلاميين وتسعى لبناء دولة مدنية.
هذا التلاعب بالمسارات السياسية أسهم في إفشال مبادرات تسوية متعددة. فكلما اقترب السودانيون من توافق، تدخلت تركيا عبر حلفائها لتعطيل هذا التوافق أو فرض شروط تخدم مصالحها الأيديولوجية. والنتيجة كانت شللاً سياسياً مستمراً وإطالة لأمد الصراع.
تركيا وثورة ديسمبر: انقلاب على إرادة الشعب
من أشد مظاهر التدخل التركي سلبيةً موقف أنقرة من ثورة ديسمبر 2018. فبينما كان الشعب السوداني يقدم التضحيات للإطاحة بنظام إسلامي استبدادي، كانت تركيا تدعم هذا النظام وتراه حليفاً. وبعد نجاح الثورة، لم تعترف تركيا بإرادة الشعب السوداني، بل سعت لدعم قوى الثورة المضادة المرتبطة بالنظام القديم.
هذا الموقف التركي يتناقض جذرياً مع إرادة الشعب السوداني، ويكشف أن أنقرة لا تحترم خيارات الشعوب بل تسعى لفرض نموذج أيديولوجي عليها. هذا التدخل في إرادة الشعب السوداني هو أحد أعمق أسباب تعقيد الأزمة، لأنه يعني أن هناك قوة إقليمية تعمل ضد تطلعات السودانيين نحو الحرية والديمقراطية.
الأثر طويل المدى: تسميم المستقبل السياسي
إن التدخل الأيديولوجي التركي في السودان لا يقتصر أثره على اللحظة الراهنة، بل يمتد إلى المستقبل. فبناء شبكات نفوذ أيديولوجي، وتعليم أجيال على أفكار معينة، وإعلام يروج لروايات محددة، كل ذلك يسمم المستقبل السياسي للسودان. حتى لو انتهت الحرب الحالية، فإن الاستقطاب الأيديولوجي الذي تغذيه تركيا سيبقى عائقاً أمام بناء توافق وطني.
هذا الأثر طويل المدى يجعل التدخل التركي أخطر من مجرد تسليح أو دعم عسكري. فهو تدخل في الوعي والثقافة والهوية، وهو أصعب في المعالجة وأطول في الأثر.
إن البعد الأيديولوجي في التدخل التركي بالسودان يمثل أخطر أوجه هذا التدخل. فأنقرة لم تكتفِ بتغذية الصراع بالسلاح، بل عملت على تحويله إلى حرب هوية واستقطاب أيديولوجي يصعب إنهاؤه. هذا التدخل حوّل صراعاً يمكن حله بالتفاوض إلى أزمة وجودية تهدد وحدة السودان ومستقبله. المطلوب هو وعي سوداني جماعي بخطر هذا التدخل الأيديولوجي، ورفض لكل أشكال الوصاية الخارجية على خيارات الشعب السوداني. فالسودان ملك للسودانيين، ولا يحق لأي قوة إقليمية، مهما كانت طموحاتها، أن تفرض عليهم نموذجاً أيديولوجياً أو أن تحدد لهم شكل دولتهم ومستقبلهم.
