هجمات بالمسيّرات تكشف تحديات جديدة أمام الدفاعات الإسرائيلية
كشفت تقارير عبرية أن إسرائيل تقف شبه عاجزة عن التصدي لطائرات حزب الله المسيرة، التي تستهدف قواتها في جنوب لبنان وشمال إسرائيل، في وقت تتصاعد التحذيرات داخل الأوساط العسكرية من أن هذه المسيّرات باتت تمثل تهديدا استراتيجيا يفرض على الجيش إعادة النظر في مفاهيمه الدفاعية التقليدية، وسط اعترافات متزايدة بفشل المنظومات الحالية في احتوائها بشكل فعّال.
وقالت صحيفة “معاريف” في تقرير اليوم الأحد إن “المؤسسات الأمنية الإسرائيلية والمعنيين بالصناعات الدفاعية يعملون بشكل مكثف لإيجاد حلول لتهديد طائرت حزب الله المفخخة”.
ومؤخرا، باتت هذه المسيرات، لا سيما المرتبطة بتقنية الألياف الضوئية، تثير قلقا متزايدا في إسرائيل، إذ وصفها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنها “تهديد رئيسي”، لصعوبة رصدها، داعيا الجيش إلى إيجاد وسائل للتصدي لها.
وتعتمد هذه الطائرات على خيط ألياف ضوئية رفيع ينفلت تدريجيا من بكرة مثبتة عليها أثناء الطيران، بما يتيح نقل الأوامر والصور مباشرة عبر هذا الخيط، بدلا من موجات الراديو القابلة للتشويش.
كما أنها لا تحتاج إلى نظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس” أو إشارات لاسلكية، ما يجعل بصمتها الإلكترونية منخفضة ويصعب رصدها.
ويواصل حزب الله مهاجمة مواقع وآليات عسكرية إسرائيلية جنوبي لبنان وشمال إسرائيل ردا على الخرق الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 17 أبريل/نيسان، والممدد حتى مطلع يوليو/تموز المقبل.
وفي تقريرها وصفت صحيفة “معاريف” مسيرات الحزب بأنها تعمل ضمن “أنظمة مغلقة”، حيث ذكرت أنها تظل متصلة بمحطة التشغيل الخلفية عبر بكرة سلك رفيع وخفيف من الألياف البصرية يمتد خلف الطائرة أثناء تحليقها، ما يجعلها معزولة تماما عن الأنظمة الخارجية كالاتصالات عبر الأقمار الصناعية أو الموجات اللاسلكية، وبالتالي يحصنها كليا ضد أنظمة التشويش والحرب الإلكترونية.
وأشارت إلى أنه يتم تركيب ثلاثة أنظمة مختلفة على هذا النوع من الطائرات؛ وهي أربع مراوح صغيرة تعمل بالطاقة الكهربائية، وكاميرا ينقل من خلالها السلك البصري الصور إلى شاشة “المُشغّل” في موقعه الخلفي لتوجيه الطائرة نحو الهدف وتوثيق الهجوم، إضافة إلى نظام التفجير الذي يتضمن عادة حمولة من المتفجرات تتراوح بين 2 و5 كيلوغرامات.
كما أشارت إلى أن الطائرة تحلق على ارتفاع منخفض جدا لا يتجاوز بضعة أمتار فوق سطح الأرض، وهو ما يمنع أنظمة الرادار التقليدية المنتشرة في الميدان من رصدها وتتبعها.
حيرة إسرائيلية
وبينما تتواصل جهود إسرائيل لفك عقدة هذه المسيّرات، أوضحت صحيفة “معاريف” أن جميع الجهات الأمنية المعنية “تقدّر أن الحل يجب أن يكون متعدد الطبقات، وأن يشمل مستويات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية”.
وتابعت “أما على المستوى التكنولوجي، فيجب إعداد بدائل تشمل وسائل اعتراض حركية، أي إسقاط الهدف عبر الاصطدام به، إلى جانب وسائل تعتمد على أنظمة طاقية، أبرزها النظام الكهرومغناطيسي”.
ولفتت إلى الجانب الاستخباراتي عبر “تحديد مخازن المسيّرات في لبنان ودول أخرى، ورصد شحنات الإمداد واستهداف المخازن والشحنات بشكل فوري”، مضيفة أنه “على إسرائيل تحديد مصانع إنتاج مكونات الطائرات المسيّرة والعمل على تدميرها”.
وأشارت الصحيفة إلى أن الخطوة التالية التي يجب أن تنفذها الدولة العبرية بسرعة هي “نشر واسع جدا لأنظمة الرادار في المناطق التي تنتشر فيها قوات الجيش الإسرائيلي في لبنان”.
ونقلت عن مسؤولين بالجيش قولهم إن منظومة الدفاع الجوي يجب أن تمر بتغيير في مفهوم التشغيل الخاص بها، من خلال بناء تشكيلات ديناميكية متحركة تعتمد على فرق صغيرة، مهمتها توفير الحماية للقوات البرية المتحركة من التهديدات الجوية، بدءا من إطلاق الصواريخ وصولا إلى الطائرات المسيّرة.
وأضاف المسؤولون أن قوات الدفاع الجوي المتنقلة ينبغي أن تستند إلى قدرات كشف متقدمة، إلى جانب أنظمة اعتراض تعتمد على الطاقة، مثل الليزر والأنظمة الكهرومغناطيسية.
حلول محدودة وفعالية موضع شك
وأكد المسؤولون الإسرائيليون أن “الخطوة الإضافية الحالية تتمثل في تطوير مجموعة من الوسائل القادرة على اعتراض الطائرات المسيّرة بسرعة وبشكل متاح لكل تشكيل عسكري”.
لكنهم أقروا في الوقت ذاته بأن “استخدام الوسائل الحركية معقد بسبب صعوبة إصابة هدف صغير وسريع ويطير على ارتفاع منخفض”.
وفي هذا السياق، اعتبرت “معاريف” أن الحادث الذي وقع في الكتيبة 601 التابعة لسلاح الهندسة القتالية الأسبوع الماضي، وأسفر عن إصابة ثمانية جنود نتيجة انفجار طائرة مسيّرة مفخخة في جنوب لبنان، “يثبت محدودية هذا الحل”.
وأوضحت أن القوة “تصرفت بشكل صحيح وأصابت المسيّرة، لكنها انفجرت وأطلقت شظايا في المنطقة، ما أدى إلى إصابة الجنود على الأرض”.
وبحسب الصحيفة، ترى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حاليا أن “الأنظمة الكهرومغناطيسية” تمثل الحل الأمثل لمواجهة طائرات حزب الله المسيّرة، غير أن المشكلة تكمن في آثارها الجانبية الواسعة.
ولفتت إلى أن “تأثير الشحنة الكهرومغناطيسية واسع، ويتسبب في تشويش جميع الوسائل الإلكترونية الموجودة في المنطقة المحيطة”.
ونقلت عن مصدر أمني إسرائيلي قوله “الهدف في مواجهة الطائرات المسيّرة هو تطوير قدرة تسمح بإصابة الهدف نفسه فقط، أي المسيّرة، دون التسبب بأضرار جانبية للأنظمة الإلكترونية المحيطة”.
إخفاقات ميدانية
وقالت القناة 12 الإسرائيلية الخاصة اليوم الأحد إن حزب الله أطلق خلال اليومين الماضيين أكثر من 30 مسيّرة مفخخة باتجاه القوات الإسرائيلية، “معظمها لم يتم رصدها”، كما تسببت الهجمات في أضرار بمعدات عسكرية.
وسقط عدد من المسيّرات داخل إسرائيل، بما في ذلك طائرة أصابت المنطقة السياحية في مستوطنة رأس الناقورة، ما دفع قيادة المنطقة الشمالية إلى إغلاق الموقع والشريط الساحلي الشمالي في تلك المنطقة.
وأضافت القناة أن الجيش الإسرائيلي يحاول التعامل مع هذا التهديد “بشكل أساسي عبر أسلوب هجومي”، من خلال تحديد مواقع مشغلي المسيّرات ومهاجمتهم، إلى جانب استهداف مخازن الطائرات المسيّرة ومراكز التدريب والبنية اللوجستية المرتبطة بها.
غير أنها أقرت بأنه “في هذه المرحلة، لم يُحرز أي نجاح”، وأن معظم أسراب المسيّرات التابعة لحزب الله تواصل عملياتها رغم نيران الجيش الإسرائيلي. وتشير تقديرات عسكرية إسرائيلية إلى أن إيجاد حل فعّال لهذه الطائرات قد يستغرق أسابيع وربما شهورا، في ظل تأثير هذا التهديد على جزء من النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وقالت القناة إن الجيش يحاول أيضا استخدام مسيّرات هجومية خاصة به لملاحقة هذا النوع من الطائرات، مستدركة “لكن رغم بعض النجاحات، فإن الأعداد لا تزال صغيرة جدا ولا تنجح في تغيير الوضع على الأرض”.
كما كشفت “معاريف” أن قيادة المنطقة الشمالية بالجيش ستعقد هذا الأسبوع ورشة ابتكار مكثفة حول ملف الطائرات المسيّرة، بمشاركة وحدات نخبة ودوائر عسكرية وشركات صناعات دفاعية وشركات ناشئة.
وكان ما يسمى “منتدى خط المواجهة”، الذي يضم مستوطنات إسرائيلية قريبة من الحدود مع لبنان، قد توجه الجمعة بطلب عاجل إلى الجيش لتوفير استجابة تكنولوجية وعملياتية للتهديد المتزايد للطائرات المسيّرة، وفق موقع “والا” العبري.
وأشار الموقع إلى أن الأسبوعين الأخيرين شهدا تصعيدا ملحوظا في استخدام المسيّرات، بما فيها الانتحارية الموجهة عبر الألياف البصرية، موضحا أن آثار هذه الهجمات باتت ملموسة في بلدات مثل كريات شمونة وشوميرا ورأس الناقورة ولِيمان.
وأكد سكان تلك البلدات، بحسب الموقع، أن الجيش يواجه صعوبة واضحة في اعتراض هذه الطائرات، ما يخلق تهديدا متواصلا لحياة السكان الذين بقوا في المنطقة.
وكان الجيش الإسرائيلي أعلن الأربعاء إصابة 10 عسكريين، بينهم أربعة ضباط، في حادثين منفصلين لسقوط مسيّرات في جنوب لبنان، فيما ذكرت هيئة البث العبرية أن من بين المصابين قائد اللواء 401 المدرع العميد مئير بيدرمان.
