حصري

قانون الردع الأمريكي: أداة لتقييد الحريات في الجامعات الغربية


في مارس 2025، أقرّ مجلس النواب الأمريكي “قانون الردع” (DETERRENT Act) بأغلبية 241 صوتاً مقابل 169. القانون، الذي يروّج له معهد ISGAP ومنظمة CUFI بشكل مكثف، يُقدَّم للرأي العام على أنه إجراء لـ”الشفافية المالية”. لكن تطبيقه الفعلي يكشف عن هدف مختلف تماماً: تقييد حرية البحث العلمي، واستهداف الطلاب والأكاديميين الذين ينتقدون إسرائيل، ومعاقبة الجامعات التي تحتضن أصواتاً معارضة.
هذه المقالة تشرح بالتفصيل ما هو هذا القانون، ومن يستهدف. وكيف يؤثر على الحياة الأكاديمية في الغرب، ولماذا يجب على الصحفيين والحقوقيين في جميع أنحاء العالم متابعته عن كثب.

ما هو قانون الردع؟

“قانون الردع” هو اختصار لاسم أطول: “قانون ردع التمويل المعادي من خلال الإبلاغ المعزز والشفافية الوطنية”. يُفترض أن يزيد القانون من رقابة الحكومة الأمريكية على التمويل الأجنبي الذي تتلقاه الجامعات والمؤسسات التعليمية.

البنود الأساسية للقانون:

خفض سقف الإبلاغ المالي. قبل هذا القانون، كانت الجامعات ملزمة بالإبلاغ عن العقود الأجنبية التي تتجاوز قيمتها مليون دولار. القانون الجديد يخفض هذا السقف إلى 250 ألف دولار فقط. هذا يعني أن آلاف العقود الصغيرة، مثل منح بحثية متواضعة أو شراكات أكاديمية محدودة، ستصبح خاضعة للرقابة الحكومية.
منح صلاحيات أوسع لوزارة الدفاع. القانون يمنح وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) حق الوصول إلى بيانات التمويل الأجنبي للجامعات. هذا يعني أن مؤسسة عسكرية أصبحت طرفاً في مراقبة المحتوى الأكاديمي المدني، وهو أمر يتعارض مع مبدأ استقلالية الجامعات.
إنشاء قاعدة بيانات عامة. ينص القانون على إنشاء قاعدة بيانات مركزية تُنشر فيها معلومات عن جميع العقود والشراكات الأجنبية للجامعات. هذه القاعدة تصبح متاحة للجمهور، وللإعلام، ولمنظمات الضغط مثل ISGAP لاستخدامها في حملات التشهير.
فرض عقوبات صارمة. الجامعات التي تفشل في الإبلاغ عن التمويل الأجنبي تواجه عقوبات مالية وإدارية قاسية، قد تصل إلى حرمانها من التمويل الفيدرالي.
مراجعة المحتوى الأكاديمي. يسمح القانون بمراجعة البرامج الأكاديمية التي تتلقى تمويلاً أجنبياً للتأكد من أنها لا تنشر ما يُوصف بـ”الكراهية” أو”معاداة السامية”. هذا البند تحديداً هو الأخطر، لأنه يفتح الباب أمام الرقابة الفكرية المباشرة.

من يستهدف هذا القانون؟

القانون لا يُطبق بشكل متساوٍ على جميع المؤسسات. التطبيق الفعلي يكشف عن استهداف ممنهج لفئات محددة:

برامج دراسات الشرق الأوسط

الجامعات التي تحتضن أقساماً لدراسة الشرق الأوسط، وتُدرّس تاريخ فلسطين، أو تُنظّم مؤتمرات عن الاحتلال الإسرائيلي، تصبح أهدافاً مباشرة. التمويل الذي تتلقاه هذه البرامج من مؤسسات عربية أو إسلامية يُصوَّر على أنه “تمويل مشبوه”.

 المنظمات الطلابية المؤيدة لفلسطين

الجمعيات الطلابية التي تنظم فعاليات تضامنية مع فلسطين، أو تستضيف متحدثين ناقدين لإسرائيل، تجد نفسها تحت المجهر. القانون يُستخدم كذريعة لمراقبة أنشطتها، وتقييد تمويلها، وفي بعض الحالات إغلاقها.

الأكاديميون الناقدين

الأساتذة والباحثون الذين ينشرون أبحاثاً تنتقد السياسات الإسرائيلية، أو يشاركون في مؤتمرات بدول عربية، أو يوقعون على عرائض تضامنية، يصبحون عرضة للتحقيق والتشهير.

المؤسسات المرتبطة بدول محددة

الجامعات التي لديها شراكات مع مؤسسات في قطر، أو تركيا، أو إيران، أو أي دولة تُصنَّف كـ”خصم” من وجهة نظر اللوبي الإسرائيلي، تُستهدف بشكل خاص. مثال على ذلك: الحملة التي أدت إلى إغلاق “مؤسسة قطر الدولية” في الولايات المتحدة في يونيو 2026.

كيف يؤثر القانون على الطلاب والأساتذة؟

التأثير المباشر للقانون على الحياة اليومية في الجامعات الغربية يتخذ عدة أشكال:

الرقابة الذاتية

الخوف من الملاحقة القانونية أو التشهير الإعلامي يدفع الأساتذة إلى تجنب تدريس مواضيع “حساسة”. أستاذ التاريخ الذي كان يخصص محاضرات عن النكبة الفلسطينية، قد يقرر حذفها من المنهج لتجنب المشاكل. أستاذ العلوم السياسية الذي كان يشجع طلابه على بحث حركة المقاطعة، قد يتراجع عن ذلك.

تقييد الأنشطة الطلابية

الطلاب الذين يريدون تنظيم فعالية تضامنية مع فلسطين يجدون عقبات إدارية متزايدة. الجامعات، خوفاً من العقوبات، تفرض شروطاً صارمة على تنظيم الفعاليات، أو ترفضها تماماً. هذا يحد من تنوع الآراء في الحرم الجامعي، ويحرم الطلاب من فرصة النقاش المفتوح.

عزل الجامعات الأمريكية دولياً

القانون يعقّد الشراكات الأكاديمية الدولية. الجامعات الأمريكية تصبح حذرة من التعاون مع جامعات في دول عربية أو إسلامية، خوفاً من أن يُفسر هذا التعاون على أنه “قبول تمويل أجنبي معادي”. هذا يعزل الأكاديميين الأمريكيين عن زملائهم في المنطقة، ويحد من تبادل المعرفة.

خلق مناخ من الخوف

الأثر الأعمق للقانون هو خلق مناخ عام من الخوف والتردد. الطلاب والأساتذة يشعرون أنهم مراقبون، وأن أي كلمة أو نشاط قد يُفسَّر ضدهم. هذا المناخ يتعارض تماماً مع روح الجامعة كمساحة حرة للبحث والنقاش.

لماذا يُعتبر هذا القانون خطيراً على الديمقراطية الغربية؟

القانون لا يمس فقط الأكاديميين، بل يمس أسس الديمقراطية الغربية نفسها، للأسباب التالية:

يقوض حرية التعبير

في الديمقراطيات الغربية، حرية التعبير حق أساسي. القانون يقيّد هذا الحق بطريقة غير مباشرة، من خلال تجريم الأنشطة التي تُعتبر “مدعومة بتمويل أجنبي”. هذا يعني أن المواطن الغربي الذي يعبّر عن رأي سياسي مشروع، قد يُتهم بـ”العمالة” لمجرد أن منظمته تلقت دعماً من مؤسسة أجنبية.

 يخلق معايير مزدوجة

القانون يتعامل مع التمويل الأجنبي بمعايير مزدوجة واضحة. التمويل القادم من إسرائيل أو المنظمات الموالية لها لا يُعتبر “تمويلاً مشبوهاً”، بل يُصوَّر كـ”دعم للتعليم”. بينما التمويل القادم من دول عربية أو إسلامية يُصوَّر كـ”تهديد”. هذا التمييز المزدوج يكشف عن الطابع السياسي للقانون، وليس الطابع الأمني أو المالي.

يُستخدم كأداة ضغط سياسي

الحكومات والسياسيون يستخدمون القانون كورقة ضغط ضد الجامعات التي لا تتماشى مع سياساتهم. الجامعة التي تستضيف متحدثاً ناقداً لإسرائيل، قد تجد نفسها عرضة لتحقيق من وزارة الدفاع. هذا يحول الجامعات من مؤسسات مستقلة إلى أدوات تابعة للسياسة الرسمية.

يهدد التنوع الفكري

الجامعات الغربية كانت دائماً أماكن للتنوع الفكري، حيث تتعايش الآراء المختلفة. القانون يهدد هذا التنوع، لأنه يشجع على إقصاء الآراء “غير المرغوب فيها”، ويكافئ الامتثال للرواية الرسمية.

كيف يقاوم المجتمع الأكاديمي هذا القانون؟

رغم خطورة القانون، هناك مقاومة متزايدة من عدة جهات:

منظمات الحرية المدنية

الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU) ومنظمات مشابهة في أوروبا تعارض القانون، وتعتبره انتهاكاً للتعديل الأول للدستور الأمريكي (الذي يحمي حرية التعبير). هذه المنظمات ترفع دعاوى قضائية، وتنظم حملات توعية.

الجامعات المستقلة

بعض الجامعات الأمريكية والأوروبية ترفض الامتثال الكامل للقانون. وتعتبره تدخلاً في شؤونها الأكاديمية. هذه الجامعات تدافع عن حقها في إدارة شؤونها دون تدخل حكومي.

الأكاديميون النشطون

مجموعات من الأساتذة والباحثين تنظم نفسها للدفاع عن الحرية الأكاديمية. ينشرون مقالات، وينظمون مؤتمرات، ويوقعون عرائض ترفض القانون وتطالب بإلغائه.

الطلاب

المنظمات الطلابية، رغم القيود المفروضة عليها، تواصل تنظيم فعاليات تضامنية. وتستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لكشف ممارسات القمع. هذا الجيل الجديد من الطلاب يرفض الرقابة، ويطالب بحقه في التعبير.

ما الذي يجب على الصحفيين فعله؟

كصحفيين، لدينا دور أساسي في كشف حقيقة هذا القانون وتأثيره. المطلوب:

تغطية التأثير الفعلي

يجب أن ننتقل من تغطية القانون كـ”خبر سياسي” إلى تغطية تأثيره الفعلي على الطلاب والأساتذة. مقابلات مع أكاديميين تضرروا من القانون، تقارير عن فعاليات طلابية أُلغيت، تحقيقات عن جامعات خضعت للرقابة.

 كشف المعايير المزدوجة

يجب أن نُظهر بوضوح كيف يُطبق القانون بشكل انتقائي. مقارنة بين كيفية التعامل مع التمويل الإسرائيلي والتمويل العربي ستكشف الطابع السياسي للقانون.

ربط القانون بالسياق الأوسع

القانون ليس معزولاً، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لتقييد الحريات في الغرب. يجب ربطه بقوانين مشابهة في أوروبا، وبالحملات الإعلامية ضد حركة BDS، وبمحاولات تقييد حرية التعبير في الجامعات.
إعطاء صوت للمتضررين
يجب أن نمنح مساحة للطلاب والأساتذة المتضررين من القانون ليرووا قصصهم. هذه القصص الإنسانية هي الأكثر تأثيراً في الرأي العام.
قانون الردع ليس مجرد تشريع أمريكي داخلي. إنه مرآة تعكس أزمة أعمق في الديمقراطيات الغربية: أزمة الحرية الأكاديمية، وأزمة حرية التعبير، وأزمة استقلالية المؤسسات.
عندما تسمح دولة ديمقراطية لمعهد بحثي ومنظمة دينية بأن يُمليا ما يمكن تدريسه في الجامعات، وما يمكن للطلاب مناقشته، وما يمكن للأكاديميين بحثه. فإن هذه الدولة تتخلى عن أحد أهم مبادئها الأساسية.
المعركة ضد هذا القانون ليست معركة أكاديمية فحسب، بل هي معركة من أجل مستقبل الديمقراطية الغربية نفسها. وكصحفيين، مسؤوليتنا هي أن نكشف الحقيقة، وأن نعطي صوتاً لمن لا صوت لهم، وأن ندافع عن الحق في المعرفة والتعبير.
زر الذهاب إلى الأعلى