لماذا تتأخر ضربة ترامب لإيران؟ 3 حسابات على طاولة القرار
يربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل مباشر بين مسار العمليات العسكرية ضد إيران وتوقيت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، حيث تفتح الخطوة الباب أمام قراءة الحسابات الاستراتيجية واللوجستية والانتخابية التي تحكم قرارات البيت الأبيض في إدارة المواجهة مع طهران.
وجاء آخر تصريح لترامب الخميس الماضي، والذي رجّح فيه العودة إلى قصف إيران بشكل مكثف عقب الانتخابات، ملوّحًا بالخيار الأكثر راديكالية بقوله: “قد أبيد طهران، وهذا أمر ممكن”، ليكشف عن تعقيدات تحكم هذه المواجهة التي دخلت مراحل حرجة تتداخل فيها مصالح واشنطن وتل أبيب وطهران.
ويطرح توقيت التهديد والتأجيل إلى ما بعد انتخابات نوفمبر علامات استفهام كبرى حول الدوافع الحقيقية وراء القرار. 3 محاور بيد ترامب
وتلخص تقارير استخبارية غربية الدوافع وراء تأجيل ضرب إيران إلى ما بعد الانتخابات النصفية في 3 محاور رئيسية، أولها استنزاف الذخائر ومأزق المخزون الاستراتيجي، حيث أقر ترامب صراحة بوجود نقص جزئي في مخزونات بعض أنواع الذخائر الأمريكية نتيجة الكثافة العملياتية للضربات الجوية والصاروخية ضد إيران طوال الأشهر الماضية.
وبحسب التقارير ذاتها، فإن الحرب استهلكت كميات كبيرة من الصواريخ الموجهة بدقة والذخائر التكتيكية، مما دفع البنتاغون إلى العمل بوتيرة متسارعة لتعزيز هذه المخزونات وإعادة ملء المستودعات لضمان القدرة على خوض حرب واسعة النطاق، لذا فإن شن حملة قصف مكثفة ومدمرة الآن قد يضع سلاح الجو الأمريكي في مأزق لوجستي قبل اكتمال سلاسل التوريد.
أما المحور الثاني الذي تضمنته التقارير الاستخبارية، فيتعلق بشبح النفط والتضخم الانتخابي، فمنذ اندلاع الصراع أقدمت إيران على إغلاق مضيق هرمز، مما أدى إلى احتجاز ونقص نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
وأدى هذا الإغلاق إلى ارتفاع أسعار الوقود إلى مستويات قياسية، وهو ما انعكس سلبًا على جيوب الناخبين الأمريكيين.
ورغم أن ترامب يدافع عن هذه الأسعار بوصفها ثمنًا تكتيكيًا لمنع قنبلة طهران، إلا أن مستشاريه اللوجستيين يحذرون من أن أي تصعيد عسكري إضافي قبل نوفمبر قد يؤدي إلى شلل اقتصادي يطيح بفرص الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالكونغرس.
بناءً على ذلك، فإن التأجيل يمنح واشنطن فرصة لمحاولة إعادة الاحتياطي الاستراتيجي من النفط إلى مستوياته السابقة قبل المغامرة بضربة كبرى.
أما المحور الثالث، فيتمثل في المناورة بمستنقع المفاوضات وفخ الاستسلام، إذ كشفت تسريبات نشرتها صحف أمريكية بارزة أن إيران قدمت مؤخرًا مقترحًا عبر وسطاء إقليميين يعرض هدنة لمدة سبعة أيام وإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المحادثات النووية.
في المقابل، طلبت طهران رفع الحصار البحري الأمريكي عن موانئها، وإلغاء العقوبات النفطية، والإفراج عن أصولها المجمدة. وقد رفض ترامب العرض علنًا وبشكل قاطع، معتبرًا الشروط الإيرانية غير مقبولة بالمرة، لتسير الاستراتيجية الأمريكية الحالية نحو إبقاء الضغط الاقتصادي والعسكري الأقصى لدفع طهران إلى الاستسلام الكامل والتوقيع على اتفاق نووي شامل بشروط واشنطن.
“أولويات متباينة”
وترى مصادر غربية أن هذا المشهد المركب ينعكس في طريقة إدارة القوى المعنية بالحرب وفق أولويات متباينة؛ فمن جهة، تركز الإدارة الأمريكية على فرض سيطرة افتراضية على مضيق هرمز وإدامة الحصار البحري، ما يتيح لها الوقت لإعادة بناء مخزونها العسكري وتأمين جبهتها الداخلية قبل انتخابات نوفمبر لضمان عدم حدوث هزات اقتصادية، تمهيدًا لفرض تسوية قسرية على طهران أو الانتقال إلى الخيار العسكري الشامل.
وبحسب المصادر فإنه “في المقابل تحاول إيران الالتفاف على هذا الضغط بالتمسك بمواقفها النووية السابقة واللعب بورقة إمدادات الطاقة، مع توجيه خطابها إلى الرأي العام الأمريكي للضغط على البيت الأبيض، مستهدفة كسر الطوق البحري والمماطلة سياسيًا حتى انقضاء الانتخابات النصفية، مراهنة على إمكانية تغير الخريطة السياسية في الكونغرس”.
وتشير المصادر الغربية، إلى أن “إسرائيل، من جانبها، تتحرك بتناغم عملياتي كامل مع واشنطن من خلال المشاركة في استهداف البنية التحتية العسكرية لإيران وتقويض أذرعها في المنطقة، حيث تضع حكومة نتنياهو نصب أعينها هدفًا نهائيًا لا يقع تحت مقصلة التوازنات الانتخابية، وهو التدمير الكامل والنهائي للمشروع النووي الإيراني، والدفع باتجاه الحسم العسكري المباشر دون قبول أي صيغ للتهدئة”.
وكان وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أكد في كلمة ألقاها مؤخرًا في قاعدة كوانتيكو بولاية فرجينيا، أن القوات الأمريكية والإسرائيلية نجحت بالفعل خلال الأشهر الماضية في تدمير أجزاء واسعة من سلاح البحرية والطيران الإيراني، بالإضافة إلى ضرب أنظمة دفاع جوي وهياكل قيادية ومنشآت تابعة للتصنيع العسكري والبرنامج النووي.
التهديد بـ”الإبادة”
وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي الدكتور حسين أبو وردة أن الدمار الهيكلي الذي تعرضت له الآلة العسكرية الإيرانية يجعل طهران تقاتل بقدرات تقليدية متآكلة، وهو ما يفسر ثقة ترامب الزائدة وقدرته على إطلاق تهديدات بالإبادة الكلية.
ويشير إلى المعلومات التي أفادت بأن الدوائر الأمنية الأمريكية تدرس في الوقت الراهن مدى تورط طهران في “مؤامرة إرهابية” محتملة جرى إحباطها بالقرب من قاعدة راف فيرفورد في بريطانيا، وهي قاعدة جوية حيوية تستخدمها القاذفات الاستراتيجية الأمريكية.
ويوضح أن “ثبوت هذا الارتباط سيمنح ترامب الذريعة القانونية والسياسية داخليًا ودوليًا لتبرير قصف إبادة طهران بذريعة الدفاع الشرعي ومكافحة الإرهاب العابر للحدود، في وقت أعلن فيه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته دعمه المطلق للعمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، واصفًا إياها بأنها ضرورية للغاية لتحييد الخطر النووي الإيراني”.
ويرى أن “ترامب يوازن بين حسابات داخلية معقدة ومخاطر سياسية قد تؤثر على حظوظ الجمهوريين في الكونغرس، مما يدفعه إلى تجميد العمليات الكبرى مؤقتًا لتجنب أزمات التضخم وأسعار النفط”.
وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن تهديد دونالد ترامب بـ”إبادة طهران” وقصفها المكثف بعد نوفمبر/تشرين الثاني ليس مجرد استعراض قوة لفظي، بل هو تأجيل تكتيكي تفرضه مستودعات الذخيرة الفارغة جزئيًا في البنتاغون ومخاوف صناديق الاقتراع من التضخم.
وبحسب مراقبين، فإنها استراتيجية حبس الأنفاس، حيث ينتظر البيت الأبيض العبور الآمن من لغم الانتخابات النصفية ليطلق بعدها العنان لآلته العسكرية الشاملة، ما لم تخضع طهران لشروط الصفقة الأمريكية قبل حلول الشتاء.
