اتصالات خارج سيطرة الدولة.. فصائل عراقية تستعد لسيناريو الحرب
كشفت معلومات عن امتلاك فصائل عراقية مسلحة بنية اتصالات موازية ومستقلة جزئياً عن الشبكة المدنية للدولة، تمتد عبر محاور عسكرية حساسة، وتتيح لها الاحتفاظ بمنظومة للقيادة والسيطرة ونقل المعلومات حتى في حال قطع الإنترنت أو تعرض شبكات الاتصالات الحكومية لهجوم أو تعطيل.
وبحسب المعلومات، تعتمد المنظومة بصورة أساسية على خطوط ألياف ضوئية أرضية ووسائط اتصال لاسلكية مشفرة، وتمر أجزاء منها عبر جرف الصخر وديالى وصلاح الدين ومناطق قريبة من الحدود مع سوريا وإيران، وتستخدمها بشكل خاص كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق.
ويقول مصدر أمني عراقي مطلع على هذا الملف، إن الشبكة صُممت لتأمين اتصالات القيادة والسيطرة ونقل المعلومات الميدانية بعيداً عن شبكات الاتصالات العامة، بما يسمح باستمرار التواصل بين الوحدات ونقل البيانات اللازمة للعمليات، بما فيها تشغيل الطائرات المسيّرة، عند تعطل الشبكة المدنية.
ووفقا للمصدر، تشبه هذه الشبكة النموذج الذي اعتمده حزب الله في لبنان عبر بناء شبكة اتصالات خاصة لا تعتمد بالكامل على البنية المدنية.
من السلاح إلى الكابل
تكتسب المعلومات أهمية أكبر مع توسع حضور كيانات مرتبطة بالحشد الشعبي في قطاع الاتصالات العراقي نفسه. وتبرز في مقدمة هذه الكيانات “شركة المهندس العامة”، التابعة رسمياً لهيئة الحشد الشعبي، والتي حصلت على عقود من وزارة الاتصالات لصيانة مسارات الكابل الضوئي ومد مسارات جديدة.
وتشير دراسة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية “ويست بوينت” العسكرية الأمريكية إلى عقدين وقعا عام 2024؛ يشمل الأول إعادة تأهيل 25 مساراً في عشر محافظات، فيما يتعلق الثاني بإنشاء المرحلة الأولى من شبكة ألياف وطنية بديلة، وتظهر قوائم المواد الخاصة به شراء نحو 1152 كيلومتراً من الكابلات الجديدة.
وتؤكد وزارة الاتصالات العراقية أن دور “المهندس” يقتصر على الحفر ومد الأنابيب وصيانة المسارات، وأن تشغيل أجهزة الشبكة وإدارة حركة البيانات مسؤولية حصرية لموظفي الوزارة.
لكن المصدر الأمني يلفت إلى أن المسألة الأمنية لا تتعلق حصراً بمن يجلس أمام أجهزة التحكم، وإنما بمن يعرف مسارات الكابلات ويصل ميدانياً إلى نقاطها ويشارك في بنائها وصيانتها.
“عين العراق”.. طبقة أخرى
ولا يتوقف تمدد الشركات المرتبطة بهذا المحيط عند “المهندس”، إذ تكشف معلومات عن دور متنام لشركة “عين العراق” في مشاريع تكنولوجية وأمنية، بينها أنظمة حرارية وتشويش ورادارات لصالح الحشد، فضلاً عن أعمال مرتبطة بكاميرات المراقبة وشبكات الألياف الضوئية وتكامل الأنظمة.
وفي تطور لافت، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية الشركة في 10 سبتمبر/أيلول الماضي على قائمة العقوبات المرتبطة بالإرهاب، وربطتها بصلاح مهدي حنتوش المكسوسي. وتظهر البيانات الأمريكية أن الشركة تأسست عام 2010 في بغداد وتعمل تحت اسم “عين العراق لتكنولوجيا أنظمة الحماية وحلول الصوت والصورة والاتصالات”.
ويقول المصدر إن شبكة المصالح الرقمية أوسع من شركتين، إذ دخلت شركات مرتبطة بجهات سياسية وفصائل، عبر رجال أعمال ووسطاء، إلى قطاعات الدفع الإلكتروني وكاميرات المراقبة ومراكز البيانات، فيما يصعب تحديد “المستفيد الحقيقي” في عدد منها بسبب تعدد طبقات الملكية.
قاعدة بيانات ربع مليون عنصر
بالتوازي، تتزايد حساسية البيانات الموجودة داخل هيئة الحشد نفسها. ويقول مصدر إن قاعدة البيانات الموحدة الجديدة لمنتسبي الحشد تحفظ داخل مركز بيانات تابع للمديرية العامة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الهيئة ببغداد، وترتبط بعملية “التسكين الوظيفي” والرقم الوظيفي الموحد والحسابات المصرفية المستخدمة لدفع الرواتب.
وتتضمن المنظومة معلومات إدارية وشخصية وعسكرية عن أعداد ضخمة من المنتسبين، وهو ما يجعلها واحدة من أكثر قواعد البيانات الأمنية حساسية في البلاد.
وتزداد أهميتها مع المفاوضات الجارية بشأن مستقبل الفصائل المسلحة، واحتمال إدخال مزيد من عناصرها في الهياكل الرسمية للحشد، بما يعني انتقال بيانات عشرات الآلاف من المقاتلين إلى منظومة رقمية واحدة.
“الميليشيا الإلكترونية”
يرى المصدر الأمني أن دخول الجماعات المرتبطة بإيران إلى قطاع الاتصالات لا ينبغي قراءته بوصفه بحثاً عن الأموال والعقود فقط، بل باعتباره سعياً إلى امتلاك القدرة على الوصول إلى البيانات ومراقبتها. ويشير إلى أن الوصول المادي إلى خطوط الألياف ونقاط الربط يمكن أن يوفر، عند توافر المعدات والخبرة التقنية، إمكانات للمراقبة أو تعطيل الخدمات، فضلاً عن استخدام خطوط مستقلة لتأمين اتصالات الفصائل نفسها.
وتوثق دراسة موسعة نشرها مركز مكافحة الإرهاب في “ويست بوينت”، وجود مؤشرات متكررة منذ سنوات على سعي جماعات عراقية إلى تطوير اتصالات أرضية تقلل تعرضها للتنصت وتحديد المواقع والاستهداف.
من جهته، يرى السياسي والباحث العراقي انتفاض قنبر أن خطورة دخول كيانات مرتبطة بالفصائل إلى قطاع الاتصالات تتجاوز القيمة المالية للعقود، لأن الأمر يتعلق ببنية تحتية تمر عبرها بيانات الدولة ومؤسساتها ومواطنيها.
ويحذر قنبر من التداعيات الأمنية المحتملة لوصول جهات مرتبطة بالفصائل وإيران إلى هذه البنية. وبحسب قراءته، فإن تمدد مؤسسات الحشد إلى المجالات الهندسية والاقتصادية والتكنولوجية يمثل انتقالاً للنفوذ من المجال العسكري المباشر إلى داخل مؤسسات الدولة، بما يجعل قضية الاتصالات جزءاً من سؤال أكبر يتعلق بالسيادة وقدرة الحكومة على حماية بنيتها الرقمية وبياناتها الحساسة.
