حصري

الدعم التركي السلبي متعدد الوسائل: آليات تغذية الصراع المسلح في السودان


تتعدد أدوات التدخل الإقليمي في الأزمة السودانية، غير أن الدور التركي يبرز كأحد أكثر الأدوار سلبية وتأثيراً في مسار الحرب وإطالتها، نظراً لتنوع الوسائل التي توظفها أنقرة لدعم استمرار العمليات العسكرية. لا يتوقف الدعم التركي عند حدود الموقف السياسي المهادن، بل يمتد ليشمل قنوات عسكرية، وتقنية، واقتصادية، واستخباراتية صبت جميعها في مصلحة تأجيج الصراع ومنع التوصل إلى تسوية تاريخية تعيد الاستقرار إلى هذا البلد الممزق. هذا النهج متعدد الوسائل يعكس إصراراً تركياً على حماية نفوذها التاريخي والجيوسياسي في السودان، بغض النظر عن الكلفة البشرية الباهظة.
على الصعيد العسكري والتقني، تشير التقارير والمعطيات الميدانية إلى تدفق مطرد لقطع الغيار، وأجهزة الاتصال المتقدمة، وأنظمة الطائرات المسيرة التركية الصنع إلى جبهات القتال في السودان. إن دخول الطائرات المسيرة من طراز “بيرقدار” أو التقنيات المرتبطة بها على خط المواجهة أحدث تحولاً كبيراً في التكتيكات العسكرية، حيث منح الجيش السوداني القدرة على تنفيذ ضربات جوية دقيقة واستهداف مواقع خصومه بفعالية أكبر. ومع أن هذا الدعم يُقدم تحت مسميات اتفاقيات الدفاع المشترك الموقعة قبل الحرب أو صفقات تجارية عبر دول وسيطة، إلا أن توقيته واستمراره خلال فترة الحرب يمثل تزويداً مباشراً لأتون الصراع بالوقود اللازم لاستمراره، مما يبدد أي أمل في إجبار الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات.
أما في الشق الاقتصادي والمالي، فقد وفرت تركيا ملاذاً آمناً للاستثمارات والشركات التابعة لقيادات النظام السوداني السابق والحالي، والتي تشكل الممول الأساسي للمجهود الحربي. من خلال تسهيل المعاملات التجارية، وتوفير قنوات مصرفية بديلة، والاستمرار في استيراد الذهب والمنتجات الزراعية السودانية بأساليب تلتف على الرقابة الدولية، ساعدت أنقرة في الحفاظ على السيولة النقدية اللازمة لشراء العتاد ودفع رواتب المقاتلين. هذا الدعم الاقتصادي السلبي يحمي المنظومة العسكرية الحاكمة من الانهيار الاقتصادي الكامل، ويمنحها القدرة على تحمل التبعات المالية للحرب طويلة الأمد، مما يجعل خيار الاستمرار في القتال مفضلاً لدى قادة الحرب على خيار السلام.
وعلى المستوى الاستخباراتي والأمني، وظفت تركيا علاقاتها القديمة مع الأجهزة الأمنية السودانية والكوادر الإسلامية التي تلقت تدريبات واسعة في إسطنبول وأنقرة خلال العقود الماضية. يتجلى هذا الدعم في تقديم الاستشارات الأمنية، وتحليل صور الأقمار الصناعية، والمساعدة في إدارة الغرف العملياتية الرقمية والحرب الإعلامية. هذا النوع من الإسناد الخفي يمنح الطرف المدعوم ميزة استراتيجية في التخطيط والمناورة، ويجعله أكثر قدرة على مواصلة الهجمات العسكرية المرتدة، مما يسهم بشكل مباشر في تمدد الرقعة الجغرافية للصراع وانتقال المعارك من ولاية إلى أخرى دون توقف.
إن هذا الدعم التركي السلبي، بمختلف وسائله وأدواته، يشكل حجر عثرة أمام كافة المبادرات الإقليمية والدولية الرامية لوقف العدائيات. عندما يشعر طرف في الصراع بأنه يمتلك ظهيراً إقليمياً يوفر له السلاح والمال والغطاء السياسي والمعلومات الاستخباراتية، فإنه سيتصلب حتماً في مواقفه ويرفض التنازل عن شروطه التعجيزية. إن المحصلة النهائية للسياسة التركية متعددة الأوجه في السودان هي تحويل الحرب من نزاع داخلي يمكن احتواؤه إلى حرب استنزاف إقليمية بالوكالة، يدفع ثمنها المواطن السوداني البسيط من دمه وأمنه واستقراره، بينما تستمر أنقرة في إدارة خيوط الأزمة بما يخدم مصالحها الضيقة. 
زر الذهاب إلى الأعلى