مناورات متداخلة وإخطارات متبادلة.. ماذا يحدث بين أنقرة وأثينا في إيجه؟
دخل الخلاف التركي اليوناني في بحر “إيجه” مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما تحولت المناورات العسكرية والإخطارات الملاحية إلى مواجهة متبادلة بين أنقرة وأثينا، مع تداخل مناطق التدريبات التي أعلنها الطرفان وتزامنها جزئياً خلال أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
ويفتح التوتر الجديد بين البلدين، الباب أمام احتمال احتكاك ميداني بين القوات البحرية والجوية التركية واليونانية، حتى من دون قرار سياسي بالذهاب إلى مواجهة مفتوحة، ما لم يتوصل البلدان إلى اتفاق أو تنسيق أو يتراجع أحدهما أو كلاهما عن مكان وزمان المناورات.
بدأ التصعيد مع إعلان تركيا تخصيص خمس مناطق في بحر إيجه للتدريبات العسكرية بين 25 سبتمبر/أيلول الماضي و27 أكتوبر/تشرين الأول. وردت اليونان بإخطار مقابل، معلنة تدريبات جوية وبحرية مشتركة بين 12 و20 أكتوبر، في منطقتين تتداخلان مع الجزء الشمالي من المناطق التي حددتها تركيا.
ويعتمد البلدان على الإخطارات البحرية الدولية (نافتكس) في تنبيه بعضهما، لكن نظام الرسائل والتحذيرات الملاحية والجوية الدولية للسفن في عرض البحر بدا هذه المرة أشبه بمواجهة بالنظر للخلاف حول حدود وتوقيت مناورة كل من تركيا واليونان.
جاء الإخطار اليوناني لتركيا بعد إخطار أطلقته تركيا التي عادت وطلبت من أثينا تعديل مناطق تدريباتها، لتعلن أنقرة لاحقاً أن الإخطار اليوناني باطل، بعدما تمسكت أثينا بموقفها الذي تقول إنه يستند لكون مناوراتها تتم في حدودها البحرية ومجالها الجوي الذي تخترقه المناورات التركية.
توتر متزايد بين أنقرة وأثينا
أقرَّ مصدر في لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان التركي، بأن التوتر بين بلاده واليونان تزايد في الفترة القليلة الماضية بسبب خلافات حول عدة قضايا وملفات، يتقدمها مشروع اليونان في مد كابل كهربائي يربطها مع قبرص اليونانية ويمتد فيما بعد نحو إسرائيل.
وأضاف المصدر أن تقييم أنقرة الحالي لذلك التوتر يستند لوجود استفزازات يونانية لبلاده بعد فترة من الهدوء والحوار، معتبراً انها ترتبط بالداخل اليوناني الذي تستعد أحزابه لانتخابات برلمانية في ربيع العام القادم، حيث تلعب العلاقة مع تركيا دوراً كبيراً في جذب انتباه الرأي العام اليوناني.
ويتجاوز التوتر الجديد مسألة تنظيم المناورات البحرية والجوية، إذ يكمن جوهر الخلاف بمن يملك حق إصدار الإخطارات وتنظيم الأنشطة العسكرية في أجزاء من بحر إيجه.
اليونان تتمسك بصلاحياتها ضمن منطقة معلومات الطيران في أثينا، بينما ترفض تركيا ما تعتبره محاولة لفرض اختصاص يوناني على مناطق من المجال الجوي الدولي، في نزاع يرتبط أيضاً بالخلاف الأوسع حول السيادة والمجالات البحرية.
وتأتي حرب الإخطارات الجديدة على خلفية توتر يتعلق بمشروع الربط الكهربائي البحري الذي يفترض أن يصل اليونان بقبرص ثم إسرائيل. وتطالب أنقرة بالتنسيق معها قبل تنفيذ أنشطة مد الكابلات أو الأنابيب والبحوث العلمية في مناطق تعتبرها ضمن جرفها القاري، فيما ترفض أثينا منح تركيا حق الموافقة المسبقة على المشروع.
إثبات وجود متبادل
قال الكاتب والمحلل السياسي التركي، مراد أقصوي، إن وجود سفن أو طائرات تابعة للبلدين، تركيا واليونان، في نطاقات جغرافية وزمنية متقاربة يمكن أن يرفع احتمالات سوء التقدير أو وقوع حادث يحتاج بعده الطرفان إلى احتوائه سريعاً.
وأوضح أقصوي أن خطورة الوضع ستكون تحديداً في الفترة الممتدة من 12 إلى 20 أكتوبر الجاري، عندما تتزامن الأنشطة المعلنة في مناطق متداخلة، لكنه توقع أن يستخدم البلدان بجانب إخطارات “نافتكس”، قنوات اتصال سياسية وعسكرية لمنع الحوادث، لتحديد أماكن الأنشطة العسكرية وتجنب وجود أطراف مدنية أو عسكرية في مناطق التدريب.
ووصف أقصوي التوتر الحالي بين البلدين بأنه أقرب إلى صراع على تثبيت المواقف والاختصاصات البحرية والجوية، عبر استخدام الإخطارات والمناورات لإظهار حدود ما تعتبره كل منهما حقوقاً لها، دون أن يتجاوز أي منهما تلك العتبة من التصعيد.
خلافات معقدة
فشلت تركيا واليونان في حل خلافاتهما العالقة منذ عقود طويلة رغم انضوائهما في عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لتظل تلك الخلافات سبباً لتوترات مستمرة تلعب الظروف الدولية على الدوام دوراً في تأجيجها، من المسائل المتعلقة بالمياه الإقليمية والجرف القاري والجزر والوضع العسكري لبعضها، إلى قبرص وحقوق التنقيب والطاقة.
ورغم ذلك، نجح البلدان في تجنب المواجهة المباشرة وإبقاء مسار الحوار بينهما قائماً حتى من دون إحراز تقدم، لكنهما ومن خلفهما حلف “الناتو” لم يحسما النزاع القانوني حول الحدود البحرية ولم يجدا حلولاً لقضايا قبرص المقسمة وباقي الخلافات الأخرى بين البلدين.
ويجعل تزايد التوترات الثنائية حول الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة وحقوق التنقيب هامش المناورة محدوداً، ليبدو كل إجراء بحري أو بيئي، رسالة سيادية ومحاولة لتكريس واقع بحري جديد ينذر بتصعيد قد يتجاوز الحدود المرسومة له في بعض الحالات.
