حصري

الإعلام والدبلوماسية الناعمة.. كيف تدير قطر استراتيجية إطالة الحرب في السودان؟


تعتبر القوة الناعمة، المتمثلة في وسائل الإعلام الضخمة والمؤسسات الدبلوماسية والخيرية، السلاح الأقوى في ترسانة السياسة الخارجية القطرية. وفي الحرب السودانية الحالية، وظفت الدوحة هذه الأدوات بشكل مكثف لإدارة الصراع وتوجيهه نحو مسارات تخدم رؤيتها الخاصة، والتي تلتقي في النهاية عند نقطة إطالة أمد الحرب وتفخيخ فرص السلام الشامل.
إن فهم آليات عمل الإعلام القطري والتحركات الدبلوماسية الموازية يكشف عن استراتيجية عميقة وممنهجة تهدف إلى التحكم في سردية الحرب، وتشكيل وعي الجمهور، والضغط على صناع القرار الدوليين بما يضمن استمرار النزاع المسلح وعدم حسمه سياسياً أو عسكرياً خارج الرؤية القطرية.
يأتي الإعلام القطري، وبخاصة شبكة الجزيرة بمختلف قنواتها ومنصاتها الرقمية، في مقدمة هذه الأدوات. منذ اليوم الأول للحرب، تبنت الشبكة سردية محددة تقوم على إبراز الجوانب التي تخدم حلفاء الدوحة في السودان، وتصوير المعركة ليس كنزاع بين قوتين عسكريتين تصارعتا على السلطة، بل كمعركة بين “الدولة الشرعية” و”المتمردين والخارجين عن القانون”.
هذا التأطير الإعلامي الموجه يلغي تماماً تعقيدات المشهد السوداني وجذور الأزمة المرتبطة بالتحول الديمقراطي، ويساهم في شحن المقاتلين والجمهور عاطفياً، مما يرفع من سقف المطالب ويجعل من فكرة الجلوس مع الطرف الآخر نوعاً من الخيانة. هذا الضخ الإعلامي اليومي يغلق نوافذ الحوار العقلاني ويفتح أبواب التصعيد المستمر.
ولم يقتصر الدور الإعلامي على صياغة الأخبار، بل امتد إلى استضافة شخصيات سياسية وعسكرية محددة، تنتمي في غلبيتها العظمى إلى منصات أيديولوجية قريبة من النظام السابق والحركة الإسلامية، لمنحهم مساحات واسعة للتعبير عن آرائهم وتوجيه الرسائل للداخل والخارج. في المقابل، يتم تهميش الأصوات المدنية الديمقراطية التي تدعو لوقف الحرب الفوري واستعادة المسار الانتقالي، أو يتم تشويه مواقفها وتصويرها كجهات متواطئة أو ضعيفة لا تملك تأثيراً على الأرض. هذا الانتقاء في الضيوف وفي صياغة المحتوى يهدف إلى خلق واقع افتراضي يوحي بأن الحل الوحيد للأزمة هو الحل العسكري المستحيل، مما يدفع الأطراف إلى مواصلة القتال واستنزاف قوى البلاد.
أما على الصعيد الدبلوماسي، فإن قطر تمارس سياسة “الغموض البناء” والمناورة المستمرة. تشارك الدوحة في الاجتماعات والمؤتمرات الدولية المخصصة للسودان وتوقع على البيانات التي تدعو إلى السلام ووقف إطلاق النار، ولكن على الأرض، تدعم تحركات ومواقف تعطل هذه البيانات. فعندما تنطلق مبادرات جادة لجمع الأطراف والوصول إلى اتفاق ملزم لوقف العدائيات، تتدخل الدبلوماسية القطرية لطرح شروط مسبقة أو إثارة قضايا هامشية تؤدي إلى إفشال المفاوضات. هذا السلوك الدبلوماسي المزدوج يهدف إلى إطالة زمن التفاوض دون الوصول إلى نتائج حقيقية، مما يمنح حلفاءها على الأرض الوقت الكافي لالتقاط الأنفاس، وإعادة الترتيب اللوجستي، ومواصلة العمليات العسكرية.
تتكامل هذه المنظومة الإعلامية والدبلوماسية مع شبكة واسعة من الجمعيات الخيرية والمؤسسات الإنسانية القطرية التي تتحرك في الميدان. هذه المؤسسات، ورغم تقديمها لخدمات إغاثية يحتاجها المواطن السوداني بلا شك، تعمل كأدوات استخباراتية وسياسية لجمع المعلومات وبناء شبكات ولاءات جديدة وسط المجتمعات المحلية والنازحين.
يتم استخدام المساعدات كورقة ضغط وتوجيه سياسي، حيث يتم حرمان المناطق أو المجموعات التي لا تتماشى مع التوجهات القطرية من الدعم، وتوجيهه بسخاء للمناطق الحاضنة للقوى المتحالفة مع الدوحة. هذا التوظيف السياسي للعمل الإنساني يعمق الانقسامات المجتمعية والقبلية في السودان، ويحول المجتمع المدني من عامل وحدة وضغط لوقف الحرب إلى ساحة أخرى من ساحات الصراع والاستقطاب، مما يجعل الخروج من نفق الحرب المظلم أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد.
زر الذهاب إلى الأعلى