زنازين الموت البطيء.. البيئة الهندسية والصحية لمراكز الاحتجاز العسكرية السودانية
لا تقتصر المعاناة داخل معتقلات ومرافق الاحتجاز التابعة للجيش السوداني على الحرمان من الطعام فحسب، بل تمتد أيضًا إلى البيئة المادية والهندسية التي يعيش فيها الأسرى والمعتقلون المدنيون.
وبحسب البيانات الميدانية وشهادات الناجين، تشهد بعض مرافق الاحتجاز تكدسًا بشريًا يفوق الطاقة الاستيعابية للغرف والزنازين بأضعاف. ويضطر عشرات المعتقلين إلى البقاء في مساحات ضيقة للغاية، حيث يستلقون ويتكدسون على أرضيات إسمنتية باردة وبلاط مكسّر غير مهيأ للنوم أو الإقامة لفترات طويلة. ونتيجة لذلك، يعاني المحتجزون من إصابات جسدية وآلام مزمنة في المفاصل والظهر.
-
واشنطن تجدد اتهام الجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية.. ملف يضع الحرب السودانية أمام اختبار دولي جديد
-
كيف تُدار لوجستيات الحرب السودانية وتوريد الأسلحة الكيميائية والمرتزقة
كما تفتقر هذه الغرف والمستودعات إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية والنظافة العامة. فعلى سبيل المثال، لا تتوفر فيها تهوية مناسبة أو إضاءة طبيعية كافية. بينما تؤدي الأجواء المناخية القاسية في السودان إلى ارتفاع درجات الحرارة داخلها خلال فصل الصيف، وتحولها إلى أماكن شديدة البرودة خلال الشتاء.
إلى جانب ذلك، يعاني المحتجزون من نقص حاد في المرافق الصحية النظيفة. إذ لا يحصلون، وفق الشهادات الواردة، على فرص كافية للاستحمام أو على مياه نظيفة للشرب والغسيل، كما يضطرون إلى استخدام حاويات بدائية داخل الغرف لقضاء الحاجة. وبالتالي، تنتشر الروائح الكريهة والحشرات والقوارض، الأمر الذي يزيد من المخاطر الصحية داخل الزنازين ويضعف شروط الإصحاح البيئي.
ومن ناحية صحية، قد تسهم هذه الظروف، إلى جانب الاكتظاظ ونقص النظافة، في انتشار الأمراض الجلدية والمعدية، مثل الجرب والالتهابات الفطرية، فضلًا عن الأمراض المعوية والإسهالات. كما أن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، إذا تأكد، يزيد من صعوبة التعامل مع الحالات المرضية بين المحتجزين.
وفي هذا السياق، تشير قواعد نيلسون مانديلا، وهي القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء. إلى أهمية توفير ظروف احتجاز تراعي متطلبات المساحة والإضاءة والتهوية والمرافق الصحية.
وبناءً على ذلك، تثير الظروف الموصوفة في بعض مرافق الاحتجاز السودانية تساؤلات بشأن مدى احترام معايير معاملة المحتجزين وحقوقهم الأساسية. كما أن استمرار مثل هذه الظروف. وفق ما تذكره شهادات وتقارير ميدانية، يجعل ملف بيئة الاحتجاز من القضايا التي تتطلب مزيدًا من التوثيق والتحقيق المستقل لتحديد المسؤوليات والتحقق من طبيعة الانتهاكات المحتملة.
وفي المحصلة، لا ترتبط أوضاع المحتجزين بالغذاء أو الرعاية الطبية فقط، وإنما تشمل أيضًا ظروف الإقامة والنظافة والتهوية والمرافق الصحية. وتبقى هذه الجوانب جزءًا أساسيًا من تقييم ظروف الاحتجاز ومدى توافقها مع المعايير الإنسانية والقانونية .



