أوروبا

فيرفورد في قلب لغز غامض.. مكالمة مثيرة وأصابع تتجه نحو إيران


أدى اتصال غامض بالقرب من قاعدة بريطانية تستخدمها أمريكا، قبل أسبوع، إلى إطلاق عملية مكافحة إرهاب واسعة النطاق وأيام من عدم اليقين.

وكانت الشاحنات البيضاء الثلاث تشق طريقها عبر منطقة ريفية خلابة في إنجلترا في جوف الليل، متجهةً نحو قاعدة جوية بريطانية (فيرفورد) تستخدمها الولايات المتحدة لشن غارات جوية على إيران.

وفي تمام الـ12:45 صباحا الأحد الماضي، اتصل أحد الرجال داخل الشاحنات، لأسباب لا تزال غير واضحة، بخدمات الطوارئ، مما أعطى السلطات أول مؤشر على أن مخططًا إرهابيًّا كانت قد تلقت معلومات استخباراتية عنه قبل ما يقرب من أسبوعين، قد يكون قيد التنفيذ.

وسارعت الشرطة بتنظيم استجابة مسلحة عاجلة، وانطلقت بسرعة إلى مكان الحادث واعتقلت الرجل وأربعة من شركائه.

وأظهرت صورة غير واضحة تسربت لاحقًا إلى وسائل الإعلام، الرجال الخمسة جالسين عاريي الصدر على جانب الطريق، وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم.

ولا يزال سبب اتصال الرجل بالشرطة موضوع نقاش بين المحققين الذين يحاولون كشف ما حدث في تلك الليلة، حسبما صرح مسؤولون أمنيون من عدة دول لصحيفة «نيويورك تايمز».

وهذا أحد الألغاز العديدة التي لم تتمكن السلطات بعد من حلها.

وأدى هذا الاتصال بالفعل إلى سلسلة من الأحداث، بما في ذلك اعتقال الرجال بتهمة الاشتباه في تورطهم في أعمال إرهابية، والإخلاء العاجل لـ 85 منزلاً، واستخدام روبوت متخصص في إبطال المتفجرات لتفتيش الشاحنات بحثاً عن متفجرات، وعقد اجتماع للأمن القومي برئاسة رئيس الوزراء آندي بيرنهام.

وقال بيرنهام لاحقاً إن هناك «مؤشرات قوية على أن إيران لعبت دوراً في هذا الأمر».

لكن لم يقدم بيرنهام والسلطات البريطانية الأخرى سوى القليل من الإجابات. لم تحتوِ الشاحنات على أي متفجرات عندما فتشتها الشرطة.

حرس إيران

وفي غضون يوم واحد، أُفرج عن الرجال الخمسة بكفالة، وهو النوع من المعاملة التي تُمنح عادةً للمجرمين العاديين، وليس للمشتبه فيهم بالإرهاب.

ونشرت الشرطة شبكة واسعة في محاولة للعثور على المسؤولين عن تجنيد هؤلاء الرجال، الذين وصفهم أحد المسؤولين بأنهم «حمقى غير مدركين».

ويعتقد المسؤولون الأمريكيون والبريطانيون، أن العملية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أو بمقر عسكري منفصل في طهران. في المقابل، رفض عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، هذه الاتهامات.

إلى ذلك، أقر مسؤولون غربيون بأن القصة الكاملة لا تزال غامضة، مشيرين إلى الطبيعة الحساسة للتحقيق، وفق ما نقلته “نيويورك تايمز”. 

وبالنسبة لبريطانيا، كانت أحداث الأيام الستة الماضية تذكيرًا واضحًا، وإن كان محيرًا في بعض الأحيان، بأن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي بدأت قبل ثمانية أشهر، تنطوي على احتمالات تتجاوز مجرد رفع أسعار النفط.

وفي يوليو/تموز، أصدر الحرس الثوري الإيراني بياناً حذر فيه من أن السماح للولايات المتحدة باستخدام القاعدة «يجعل لندن مسؤولة» عن أفعالها.

وجاء في البيان: «أي قاعدة تُستخدم لشن هجمات على الأراضي الإيرانية هي هدف مشروع لقواتنا».

في النهاية، لم يعثر المسؤولون على أي دلائل ملموسة تشير إلى أن الرجال الذين كانوا في الشاحنات كانوا في المراحل النهائية من تنفيذ هجوم. لكن لفترة من الوقت يوم الأحد الماضي، بدا أن إيران ربما كانت تستعد لتنفيذ تهديدها، بحسب الصحيفة.

تحذيرات سابقة

وفي منتصف سبتمبر/أيلول، تلقى قادة عسكريون أمريكيون تحذيرًا مثيرًا للقلق من وكالات استخبارات أمريكية وغربية أخرى، وفقًا لمسؤولين أمريكيين أُطلعوا على هذه المعلومات.

وكانت قاعدة «فيرفورد»، الواقعة في جنوب إنجلترا والتي تستخدمها القوات الجوية الأمريكية بشكل أساسي لنشر بعض أكبر قاذفاتها، هدفًا لهجوم محتمل مدعوم من إيران.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن مسؤولي الاستخبارات لديه حذروا نظراءهم البريطانيين أيضًا من هجوم محتمل برعاية إيرانية، على الرغم من أنهم لم يحددوا هدفًا معينًا.

وحذرت التقييمات السرية من أن الهجمات من المرجح أن تشمل طائرات بدون طيار.

وقبل الواقعة، بدأ سكان بلدة فيرفورد المجاورة، وقريتي كيمبسفورد وويلفورد، في ملاحظة بعض التغييرات. وقال دوم موريس، أحد أعضاء المجلس المحلي: «كانت هناك شائعات تفيد بحدوث تغييرات داخل القاعدة فيما يتعلق بالإجراءات الوقائية ومستويات الإنذار».

وفي 16 سبتمبر/أيلول، أي قبل 11 يومًا من الحادثة التي وقعت في القاعدة، نشر أحد السكان في مجموعة خاصة على “فيسبوك” تابعة للحي أنه شاهد شيئًا غير عادي: رجلًا يرتدي قناعًا يغطي الوجه يركض عبر القرية حوالي الساعة 9 مساءً.

وقال ثلاثة قرويين آخرين على الأقل إنهم شاهدوا رجلًا مقنعًا يرتدي ملابس سوداء.

في 23 سبتمبر، قبل أربعة أيام من الأحداث التي وقعت في قاعدة فيرفورد الجوية الملكية البريطانية، نشر موقع إعلامي مدعوم من إيران تعليقات ليحيى رحيم صفوي، القائد الأعلى السابق للحرس الثوري. أدان فيها صفوي أوروبا باعتبارها «محورًا لوجستيًا» للحرب الأمريكية على إيران، وسمّى القواعد الجوية التي استخدمتها القوات الأمريكية لشن الحرب، بما في ذلك فيرفورد.

ولكن في غياب معلومات استخباراتية محددة حول هدف أو توقيت معين، لم يكن بوسع السلطات فعل الكثير، سوى تشديد الإجراءات الأمنية والانتظار.

ظهور مخطط

تغير هذا الوضع بشكل جذري يوم الأحد الماضي، إذ عثرت مزارعة محلية، وهي في طريق عودتها إلى المنزل بعد حضور حفلة، ممر منزلها مسدودًا بثلاث شاحنات بيضاء.

وفي وقت لاحق، أخبرت الصحفيين أنها شاهدت ما بين ثمانية إلى عشرة أشخاص يرتدون أقنعة وهم يركضون.

وتابعت أنها اتصلت في الساعة 1:36 صباحاً برقم 999، وهو الرقم البريطاني المكافئ لرقم الطوارئ، وأوضحت لاحقاً أنها تعتقد أن مكالمتها «أحبطت أي خطط كانت لديهم».

إلا أن التسلسل الزمني الذي قدمته الشرطة يشير إلى أنها أجرت مكالمتها بعد حوالي 50 دقيقة من مكالمة الرجل الذي كان في الشاحنة. وليس من الواضح ما إذا كان الأشخاص الذين رأتهم هم المشتبه بهم، أم عناصر أمنية استجابت للإنذار الأولي.

وقالت فيكي إيفانز، نائبة مساعد مفوض شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية، في وقت لاحق يوم الأحد: «هذه عملية معقدة للغاية وواسعة النطاق»، مضيفةً: «إن نشاطنا يصب في مصلحة الأمن القومي».

إلا أن القضية اتخذت منعطفاً مفاجئاً بحلول يوم الإثنين فقد أُفرج عن الرجال بكفالة، وهي نتيجة نادرة بالنسبة لمشتبه بهم في قضايا الإرهاب.

وأعلنت الشرطة لاحقاً أنها عثرت على بعض البنزين، دون أي متفجرات، داخل الشاحنات الصغيرة.

وقال لورانس تايلور، المشرف على فيكي إيفانز، للصحفيين إن الرجال «خاضعون لشروط صارمة فيما يتعلق بحركتهم وتواصلهم مع الآخرين. وما زالوا قيد التحقيق بشكل قاطع».

وراء الأبواب المغلقة، كان المسؤولون يحاولون تحديد دور المشتبه بهم، وما إذا كانت إيران تستخدمهم لتقويض استعداد بريطانيا للسماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها.

ولم يتضح بعد مدى ما استخلصه المحققون من هؤلاء الرجال بشأن خططهم، وهل كانوا مجرد تمويه لهجوم آخر، أم خدعة لبث الخوف وإثارة الدعاية. 

اعتقد بعض مسؤولي الاستخبارات أن المكالمة الأولية التي أجراها أحد الرجال الخمسة كانت جزءًا من خطة لتشتيت انتباه الشرطة بينما كانت مؤامرة أوسع نطاقًا تتكشف.

ورأى آخرون أنه من المرجح أن يكون الرجال الخمسة مجرمين من الدرجة الدنيا، وقد اتصل أحدهم عندما أدركوا أنهم تم توظيفهم للقيام بأمر خطير، بحسب ما نقلته نيويورك تايمز. 

زر الذهاب إلى الأعلى