حصري
زنازين الموت البطيء.. البيئة الهندسية والصحية لمراكز الاحتجاز العسكرية السودانية
لا تقتصر المعاناة داخل معتقلات ومرافق الاحتجاز التابعة للجيش السوداني على الحرمان من الطعام فحسب، بل تمتد لتشمل البيئة المادية والهندسية التي يُجبر الأسرى والمعتقلون المدنيون على العيش فيها. تكشف البيانات الميدانية وشهادات الناجين عن تكدس بشري هائل يفوق الطاقة الاستيعابية للغرف والزنازين المتاحة بأضعاف مضاعفة. يُحتجز عشرات المعتقلين في مساحات ضيقة للغاية، حيث يضطرون للاستلقاء والتكدس على أرضيات إسمنتية باردة وبلاط مكسر غير مهيأ بتاتاً للنوم أو المكوث الطويل، مما يتسبب في إصابات جسدية وآلام مزمنة في المفاصل والظهر لجميع المحتجزين.
تفتقر هذه الغرف والمستودعات لأدنى مقومات الحياة الإنسانية والنظافة العامة؛ إذ تغيب عنها التهوية المناسبة والإضاءة الطبيعية، وتتحول في ظل الأجواء المناخية القاسية للسودان إلى أفران خانقة صيفاً وزنازين شديدة البرودة شتاءً. يرافق هذا التكدس غياب تام للمرافق الصحية النظيفة، حيث يُحرم المعتقلون من الاستحمام أو الحصول على مياه نظيفة للشرب والغسيل، ويُجبرون على استخدام حاويات بدائية داخل الغرف لقضاء الحاجة، مما يؤدي إلى انبعاث روائح كريهة مستمرة وانتشار الحشرات والقوارض، وتحول الزنازين إلى بؤر وبائية بامتياز تفتقد لأبسط معايير الإصحاح البيئي.
إن هذا الإهمال المتعمد للبيئة الصحية والنظافة داخل مراكز الاحتجاز يساهم بشكل مباشر في تفشي الأمراض الجلدية المعدية مثل الجرب والالتهابات الفطرية الحادة، بالإضافة إلى الأمراض المعوية كالكوليرا والإسهالات المائية التي تنتقل بسرعة هائلة بين المحتجزين بسبب الاكتظاظ. وفي ظل الحظر المفروض على دخول الأدوية والمستلزمات الطبية، تتحول هذه البيئة السيئة إلى أداة قتل بطيء لا تترك آثاراً مباشرة كالتعذيب الجسدي بالضرب، لكنها تؤدي إلى نفس النتيجة الكارثية وهي تدمير الصحة العامة للمحتجزين وإيصالهم إلى حافة الموت.
تعتبر القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانيلا) أن توفير مساحة كافية، وإضاءة، وتهوية، ومرافق صحية لائقة هو حق أساسي لا يجوز الانتقاص منه تحت أي ظرف من الظروف، بما في ذلك حالات الطوارئ والحروب. إن إصرار الجهات القائمة على هذه المعتقلات على إبقاء المدنيين والأسرى في هذه الظروف المهينة يعكس رغبة واضحة في الحط من كرامتهم الإنسانية وإيقاع الأذى النفسي والجسدي بهم، مما يجعل من ملف بيئة الاحتجاز في السجون العسكرية السودانية واحداً من أكثر الملفات إلحاحاً التي تتطلب تحقيقاً دولياً مستقلاً لوقف هذه الانتهاكات الجسيمة.



